أثار الأستاذ ماجد قاروب في مقاله «قضايا السوق المالية» قضية بالغة الأهمية، وهي دور القضاء المتخصص في الفصل في منازعات الأوراق المالية، مؤكداً أن العدالة لا تُقاس بسرعة إصدار الأحكام فحسب، بل بدقتها وجودتها وقدرتها على حماية المستثمرين وتعزيز الثقة في السوق. وهي رؤية تستحق الإشادة، غير أن الصورة تظل غير مكتملة إذا اقتصر الحديث على مرحلة ما بعد وقوع المخالفة، إذ إن الأهم هو كيفية منعها قبل أن تصل إلى ساحات القضاء. فالقضاء يمثل خط الدفاع الأخير، بينما تمثل الحوكمة خط الدفاع الأول.
لقد أثبتت التجارب العالمية أن الأسواق المالية الأكثر استقراراً ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من القضايا والأحكام، وإنما تلك التي تمتلك منظومة حوكمة قوية تحد من وقوع المخالفات من الأساس. فكل مخالفة تصل إلى القضاء تعني أن هناك خللاً سبقها في الرقابة أو الإفصاح أو إدارة المخاطر أو أداء مجلس الإدارة أو اللجان المنبثقة عنه.
ولذلك فإن بناء سوق مالية أكثر كفاءة لا يعتمد فقط على تطوير القضاء المتخصص، بل يبدأ من داخل الشركات نفسها. فمجلس الإدارة هو المسؤول الأول عن ترسيخ ثقافة الامتثال، ولجنة المراجعة هي خط الدفاع الذي يكتشف أوجه القصور قبل تحولها إلى أزمة، بينما تمثل إدارة المراجعة الداخلية وإدارة المخاطر أدوات الإنذار المبكر التي تقلل احتمالات وقوع المخالفات.
كما أن الإفصاح المبكر والشفافية يمثلان عنصراً محورياً في حماية المستثمرين. فكلما ارتفعت جودة الإفصاح، انخفضت فرص التضليل، وتراجعت احتمالات المنازعات القضائية. ولهذا أصبحت الجهات التنظيمية في الأسواق المتقدمة تنظر إلى الحوكمة باعتبارها استثماراً في استقرار السوق، وليس مجرد التزام نظامي.
ومن الجوانب التي تستحق مزيداً من الاهتمام أيضاً رفع كفاءة أعضاء مجالس الإدارات. فكثير من المخالفات لا تنشأ عن سوء نية، وإنما عن ضعف الإلمام بالأنظمة أو محدودية الخبرة في إدارة المخاطر والالتزامات النظامية. من هنا تأتي أهمية التأهيل المستمر لأعضاء المجالس واللجان، وربط ذلك بأفضل الممارسات الدولية.
ولا شك أن التطور التقني الذي أشار إليه الأستاذ ماجد، من خلال استخدام الأدلة الرقمية وتحليل البيانات، سيكون له دور كبير في رفع كفاءة القضاء المالي. إلا أن هذه الأدوات نفسها يمكن أن تؤدي دوراً وقائياً داخل الشركات، عبر أنظمة المراقبة المستمرة، والذكاء الاصطناعي، وتحليل المؤشرات المالية لاكتشاف الانحرافات قبل تفاقمها.
إن نجاح السوق المالية لا يقاس بعدد الأحكام القضائية الصادرة، بل بعدد المخالفات التي تم منعها قبل وقوعها. فكل قضية يتم تجنبها تعني حماية لرأس المال، وصوناً لحقوق المستثمرين، وتعزيزاً لثقة السوق، وتخفيفاً للعبء على الجهات القضائية والرقابية.
وفي هذا السياق، فإن التكامل بين الحوكمة الفاعلة، والرقابة المهنية، والإفصاح الشفاف، والقضاء المتخصص هو الذي يصنع بيئة استثمارية جاذبة ومستقرة. فهذه العناصر ليست بدائل لبعضها، بل حلقات متصلة في منظومة واحدة، تبدأ بالوقاية، وتمر بالرقابة، وتنتهي بالعدالة.
من هنا، فإن المقال الذي طرحه الأستاذ ماجد قاروب يفتح باباً مهماً للنقاش، ويستحق أن يستكمل بالتأكيد على أن أفضل قضية هي تلك التي لم تصل إلى القضاء؛ لأن الحوكمة أدت دورها في الوقت المناسب. وهي الرسالة التي ينبغي أن تتبناها الشركات، والجهات الرقابية، والمستثمرون على حد سواء، إذا أردنا سوقاً مالية أكثر كفاءة وثقة واستدامة.
** **
- عبدالله الشماسي