«الجزيرة» - وائل العتيبي:
قدّمت المنتجة أمل حجار ورقة بحثية بعنوان «أثر سيكولوجية الشخصية على الممثل»، تناولت فيها العلاقة بين البناء النفسي للشخصية الدرامية وجودة الأداء التمثيلي، مؤكدة أن التمثيل لا يقوم على حفظ الحوار أو إتقان الانفعالات وحدهما، بل يبدأ من فهم العالم الداخلي للشخصية، واستيعاب دوافعها وصراعاتها وخلفيتها الاجتماعية والإنسانية، بما يمكّن الممثل من تقديم أداء صادق ومقنع يلامس وجدان المتلقي.
وبيّنت الورقة أن الشخصية الدرامية ليست مجرد مجموعة من الانفعالات العابرة، وإنما كيان نفسي واجتماعي وثقافي متكامل، يتطلب من الممثل قراءة واعية لأبعاده المختلفة. فكلما ازداد فهمه لتركيبتها الداخلية، انعكس ذلك على لغة الجسد، ونبرة الصوت، والإيقاع الداخلي للأداء، لتغدو الشخصية أكثر حياةً وصدقًا، ويتحول الأداء من محاكاة شكلية إلى تجربة إنسانية نابضة.
وأوضحت حجار أن استيعاب سيكولوجية الشخصية يمنح الممثل القدرة على التعبير عن مشاعرها وصراعاتها بصورة طبيعية بعيدة عن التصنع، ويعينه على بناء شخصيات تمتلك عمقًا فكريًا وإنسانيًا. وأكدت أن علم النفس أصبح اليوم أحد المرتكزات الأساسية في تدريب الممثل، لما يوفره من أدوات لفهم السلوك الإنساني، وتحليل العلاقات والانفعالات، وصياغة أداء أكثر نضجًا وواقعية.
وتوقفت الورقة عند جانب بالغ الأهمية يتمثل في الأثر النفسي الذي قد يرافق الممثل بعد الانتهاء من تجسيد بعض الشخصيات، مشيرة إلى أن الاندماج العميق في الأدوار المركبة أو الصادمة قد يخلّف آثارًا انفعالية مؤقتة تختلف من ممثل إلى آخر، وقد تتمثل في استمرار بعض المشاعر، أو صعوبة الفصل بين الذات والشخصية، أو الإرهاق النفسي والعاطفي، أو بقاء بعض السمات السلوكية للشخصية لفترة وجيزة بعد انتهاء التصوير.
وفي هذا السياق، لفتت حجار إلى أن المدارس الاحترافية في التمثيل تولي اهتمامًا متزايدًا بما يُعرف بـ«الخروج من الشخصية» (De-rolling)، وهي مجموعة من الممارسات المهنية التي تساعد الممثل على استعادة توازنه النفسي بعد انتهاء الأداء، من خلال تمارين الاسترخاء، والتأمل، والحوار مع المدرب أو المخرج، والعودة التدريجية إلى إيقاع الحياة اليومية، بما يضمن الفصل بين التجربة الفنية والحياة الشخصية.
وأكدت أن الدراسات العلمية لا تشير إلى أن جميع الممثلين يتعرضون لآثار نفسية دائمة نتيجة تقمّص الشخصيات، إلا أن الأدوار التي تتناول الصدمات أو العنف أو الاضطرابات النفسية قد تكون أكثر استنزافًا، وهو ما دفع العديد من الإنتاجات العالمية إلى الاستعانة بأخصائيين نفسيين لمرافقة الممثلين خلال مراحل التحضير والتصوير، حفاظًا على صحتهم النفسية وجودة أدائهم.
وأضافت حجار أن عددًا من نجوم الصف الأول في العالمين العربي والغربي يستعينون بمدربين متخصصين لمساعدتهم على الولوج إلى العوالم النفسية للشخصيات التي يجسدونها، معتبرة أن هذه الممارسة تسهم في صناعة «الممثل المقنع» القادر على تجسيد الشخصية بصدق وعمق. وأشارت إلى أن هذا الجانب، على الرغم من أهميته، لا يزال يحظى باهتمام محدود في بيئة التدريب الفني المحلية.
ولم تقتصر الورقة على الجانب النظري، بل امتدت إلى تطبيق عملي أجرته حجار على نموذجين؛ الأول لممثل يمتلك خبرة تتجاوز أربعة أعمال درامية، والثاني لموهوب في التمثيل لم يسبق له خوض أي تجربة احترافية. وأوضحت أن النتائج كشفت عن تحول ملحوظ في جودة الأداء لدى النموذجين بعد تطبيق منهجية تحليل سيكولوجية الشخصية، مؤكدة أن هذا النوع من التدريب يمكن أن يشكل إضافة نوعية للصناعة الدرامية المحلية، ويسهم في إعداد ممثلين أكثر وعيًا واحترافية.
واختتمت حجار ورقتها بالتأكيد على أن تطور الصناعة السينمائية لا يتحقق بالمهارات التقنية وحدها، بل يتطلب بناءً معرفيًا يوازيها، إذ كلما ازداد وعي الممثل بسيكولوجية الشخصية، أصبح أكثر قدرة على تحويل النص المكتوب إلى تجربة إنسانية نابضة بالحياة، تمنح العمل الفني عمقًا أكبر، وتترك أثرًا أبقى في وجدان المشاهد. وتأتي هذه الورقة في وقت يشهد فيه القطاع السينمائي السعودي نموًا متسارعًا، واهتمامًا متزايدًا بالبحث الأكاديمي والتدريب المتخصص، بما يعكس توجهًا نحو ترسيخ ثقافة الأداء الواعي، وربط الممارسة الفنية بالمعرفة العلمية، في سبيل بناء صناعة درامية أكثر نضجًا، وقادرة على إنتاج شخصيات تتمتع بعمق إنساني وفني يواكب تطلعات المشهد السينمائي السعودي.