الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
للمجالس العامة والخاصة قواعد وآداب تحفظ للجميع حقوقهم وراحتهم، وفي ظل المتغيرات الحياتية المتسارعة تعددت الأخطاء الشائعة بين الناس في المجالس، والتي تندرج بشكل رئيسي تحت قلة التقدير الاجتماعي، أو مخالفة الآداب العامة، أو سوء استخدام وسائل التواصل، وغيرها.
«الجزيرة» التقت عدداً من المختصين والمهتمين في مختلف التخصصات.. وتحدثوا عن أبرز الأخطاء الشائعة التي يقع فيها الناس في المجالس، والسبل الكفيلة لمعالجة هذه الأخطاء.
الذكاء الاجتماعي
يؤكد الدكتور عمر بن إبراهيم المحيميد أستاذ الفقه بجامعة القصيم أن الإسلام جاء بمراعاةِ كل شيء، وأعطى كلَّ أمرٍ حقَّه، ومن ذلك المجالس؛ فهي مكان التقاء القلوب، وتصافح الأرواح، واجتماع الأجساد.
وغالبًا ما تجتمع شوقًا وتقديرًا، وقد تجتمع مجاملةً، وأحيانًا هروبًا من ضنك الحياة.
يجيء أحدهم فرحًا مبتهجًا، وقد يجيء محمَّلًا بالهموم، أو مثقلًا بالأسى، ويريد أن يروِّح عن نفسه.
وعليه: فلا بد أن يعي الجليس ذلك، وأن الناس تختلف أمزجتهم باختلاف ظروفهم، سواء الدائمة منها أو اليومية؛ فمؤنسك بالأمس ليس بالضرورة أن يكون بكامل لياقته اليوم؛ فيوطِّن الإنسان - الحذق - نفسه على اللباقة بالقدر الكافي الذي يجعله ذكيًّا اجتماعيًّا، فلا يقتحم خصوصية غيره بالأسئلة التي لا طائل من معرفة إجاباتها، ولا يمازحه مزاحًا ثقيلًا، ويبتعد عن المشاحنات، خاصة الرياضية منها، التي تفرِّق ولا تجمع!.
قوي متماسك
يضيف الدكتور عمر المحيميد بقوله: لا تنقل إلى جليسك مشاكلك وهمومك التي لا يفيد البوح بها.
اليوم.. لستَ على ما يرام؟ لا تقابل الناس، واسترخِ في بيتك، ولا تعطِ الناس عنك انطباعًا سيئًا يبقى طويلًا، لا يمحوه حُسنك مع تحسُّن مزاجك في قابل الأيام!
وبالمقابل، على الجليس أن يتحمَّل جليسه؛ فالمجالس تجمع، فكن قويًّا متماسكًا، ولا تقف عند كل صغيرة وكبيرة، فالناس بطبعها - غالبًا - لا تقصد الإساءة، فلا تدقِّق.
وأيضًا: لا يهزمك الوقح، ولا يثر فيك مكامن الضعف، ولا يجرَّك إلى مستنقعه فينال منك بُغيته.
وأخيرًا: رفقًا بالجليس، فصروف الدهر تُضني الإنسان وتُشيبُه. فمن جاءك تائهًا مبعثرًا فواسِه ولو بالكلمة الطيبة، وخفِّف عنه؛ فقد يكون رأى فيك المُنقذ. الكلمة الطيبة صدقة. والتخفيف عن الآخرين شهامة، والاستماع إلى الأقل مكانةً نُبل. جعل الله مجالسنا عامرة بالإيمان.
نقل الكلام
يذكر الدكتور عبدالرحمن بن سعيد الحازمي الخبير التربوي، عميد الأكاديمية العالمية للدراسات والتدريب برابطة العالم الإسلامي سابقاً بعض الأخطاء المنتشرة في بعض المجالس، ومن ذلك: التعرض لأعراض الناس ونقل الكلام بينهم، ومقاطعة المتحدث وعدم إتاحة الفرصة له لإكمال حديثه، والسخرية والاستهزاء بالآخرين أو التقليل من آرائهم، وإشاعة الشائعات والأخبار غير الموثوقة، ورفع الصوت وكثرة الجدل والمراء، والانشغال بالجوال.
ومن أهم وسائل العلاج ما يلي:
التحلي بالقيم والمبادئ والأخلاق الإسلامية؛ فالشريعة الإسلامية منهج حياة، وقد وجهت إلى حفظ اللسان، والتثبت في نقل الكلام، وحسن الاستماع، واحترام الآخرين، كما أن استحضار مراقبة الله تعالى، ومعرفة فضل حفظ اللسان، وتذكير بعضنا بعضًا بذكر الله تعالى، وختم المجالس بكفارة المجلس؛ من أهم الوسائل المعينة على تجنب هذه الأخطاء.
استماع وصمت
يقول الدكتور مقبل بن مريشيد الرفيعي عميد كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية وعضو هيئة التدريس بها سابقاً، وعضو هيئة التدريس في القسم العالي قسم السنة في معهد الحرم النبوي الشريف حالياً: لابد للناس من مجالس يجتمعون فيها ويتبادلون أطراف الحديث فيها، ويتساءلون عن أحوالهم وأخبارهم، وعلى من يرتاد تلك المجالس أن ينتقي منها ما يزداد به علما وخبرة وثواباً وأجراً، وأن يجتنب ما يكون فيها غير ذلك ويكون بقاؤه فيها إثماً ووزراً، وهذه المجالس يعرض الجالس فيها رسمه وعقله فليحفظ لسانه من الغيبة والنميمة والكذب والبهتان وتداول الشائعات وبثها وغير ذلك من آفات اللسان، وليحفظ سمعه وبصره مما حُرِّم الاستماع عليه والنظر إليه وليلتزم بآداب مجلسه، وهذه المجالس كمن يدخل سوقاً فيعرض فيه بضاعته، فإما أن يكون فيه رابحاً، كمن يدعو إلى هدى وفضيلة ويتكلم بفوائد وخبرات وتجارب رافعات يستفيد منها المستمع، أو كمن يحسن الاستماع والصمت ويبقى في ذلك المجلس مصغياً فهو مستفيد رابح من متحدث ناصح وإما أن يحتفظ برأس ماله فيها فهو كمن يتكلم بفائدة ويستمع إلى أخرى مثلها، وأما الخاسر فهو من يتصدر المجلس بالحديث والكلام في غير ما ينفع غيبة وانتقاداً وانتقاصاً وتأليباً وتشويشاً وتلويثاً لأفكار ممن يستمع إليه ولا يعطي مساحة لغيره في الحديث.
وينبغي أن تكون المجالس عامرة بذكر الله تعالى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً». والترة: النقصان والحسرة.