الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
نبَّه الدكتور خالد بن حمد الخريف الباحث في العلوم الشرعية إلى عدم التعجّل في تخطئة العالِم إذا ورد عنه ما يظن أنه خطأ، لأنه قد يكون في الحقيقة غير مخطئ وإنما الخطأ يكون من فهم المنتقد، حيث إن الأصل في العالم عدم مخالفة الشريعة، وهذا الأصل معروف مشهور، إذ علماءُ الشريعة على جانب كبير من التعظيم للملة، وعلى حيازة عظيمة لإجلال الآثار، ولذا قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: (وليعلم أنه ليس أحد من الأئمة - المقبولين عند الأمة قبولاً عاماً - يتعمد مخالفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في شيء من سنته، دقيق ولا جليل.
فإنهم متفقون اتفاقاً يقينياً على وجوب اتباع الرسول -صلى لله عليه وسلم- وعلى أن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أهـ [رفع الملام ص: 4].
مشيراً إلى أنه إذا تقرر هذا فإن مخالفة العالم للنص الشرعي سيكون له فيها عذر يشفع له بتجاوز زلته، ولا يجوز إطلاقاً إخراج أحد من العلماء من هذا الأصل.
وأوضح د. خالد الخريف في حديثه لـ»الجزيرة» أسباب المخالفة، وفق حصر شيخ الإسلام -رحمه الله- في عشرة أسباب:
أولها: أن لا يكون الحديث قد بلغه.
ثانيها: أن يكون الحديث قد بلغه لكن لم يثبت عنده.
ثالثها: اعتقاد ضعف الحديث باجتهادٍ، خالفه فيه غيره.
وقد جعل الشيخ لحصول هذا السبب أسباب خمسة هي:
أولاً: أن يكون المحدث (الراوي) بالحديث يعتقده أحدهما ضعيفاً ويعتقده الآخر ثقة.
ثانياً: أن لا يعتقد أن المحدث سمع الحديث ممن حدّث عنه، وغيره يعتقد أنه سمعه.
ثالثاً: أن يكون للمحدث حالان:
1 - حال استقامة.
2 - حال اضطراب (اختلاط، واحتراق كتب).
فما حَدَّث به في الحال الأولى فهو صحيح، وما حَدَّث به في الثانية فهو ضعيف.
فهنا يكون النزاع بين العاَلِمَين في حديث الروي في أي الحالين حَدَّث به؟
رابعاً: أن يكون المحدث قد نسي ذلك الحديث فلم يذكره فيما بعد، أو أنكر أن يكون حَدَّث به، ويرى أحد العالَمِين أن ذلك علة توجب ترك الحديث. ويرى غيره أن هذا مما يصح الاستدلال به.
رابعها: اختلاف العلماء في شرط خبر الواحد.
فبعض العلماء له في خبر الواحد شروط يرى أهمية تواجدها فيه، بينما غيره لا يرى تلك الشروط.
خامسها: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده، ولكن نسيه.
سادسها: عدم معرفة العالم بدليل الحديث، وسبب ذلك:
أولا: كون لفظ الحديث غريباً عند العالم.
ثانياً: الاختلاف في معنى الكلمة في لغة العالم ولغة النبي -صلى الله عليه وسلم- فيحمله على ما يفهمه من لغة نفسه. ويحتج لفعله هذا بأن الأصل بقاء اللغة.
ثالثاً: كون اللفظ: مشتركاً، أو مجملاً، أو متردداً بين حقيقة ومجاز. فيحمله العالم على الأقرب عنده، وإن كان المراد المعنى الآخر. كما في فَهمِ عدي بن حاتم من قوله -تعالى- : (الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ) إنه الحبل المعروف.
رابعاً: كون الدلالة من النص خفية.
فإن جهات الدلالات مُتَّسَعَةُ جداً، يتفاوت الناس في إدراكها. وفهم وجوه الكلام بِحَسبِ منح الحق - سبحانه وتعالى - ومواهبه.
سابعها: اعتقاد العالمِ أن لا دلالة في الحديث.
والفرق بين هذا والسابق:
الأول: العالم لا يعرف جهة الدلالة.
الثاني: العالم عرف الدلالة في الحديث لكنه اعتقد عدم صحتها.
وهذا الاعتقاد أي كون الدلالة ليست صحيحة - سبب كون بعض الأصول - لدى العالم - ترد تلك الدلالة.
ثامنها: اعتقاد العالم أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلَّ على أنها ليست مرادة.
تاسعها: اعتقاد العالم أن الحديث معارضٌ بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله - إن كان قابلاً للتأويل - وشرط العارض: أن يكون معارضاً بالاتفاق كـ(آية) أو (حديث) أو (إجماع).
وهذا الاعتقاد نوعان:
الأول: أن يعتقد أن هذا المعارض راجحٌ في الجملة، فيتعين أحد ثلاثة أمور، من غير تعيين واحدِ منها.
قُلت: والظاهر أن المراد بالثلاثة التي يتعين واحداً منها وهي: ضعف الحديث، أو نسخه، أو تأويله.
الثاني: أن يعين واحداً من الأمور الثلاثة بأنه يعتقد أنه منسوخ أو مؤول.
عاشرها: معارضة الحديث بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله، مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارضاً، أو لا يكون في الحقيقة معارضاً.
وبيان هذا أن يأتي عالم فَيِعارض حديثاً بمُعَارضٍ فيه دلالة على ضعف الحديث أو نسخه أو تأويله، وعالمٌ آخر لا يعتقد أن المعارض معارضاً، أو لا يكون عند التحقيق فيه معارضاً.