شهدت مكة المكرمة في السابع من أغسطس 2026، توقيع اتفاق دفاع ثلاثي الأطراف بين كل من المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، حيث يقوم الاتفاق على مبدأ أن الاعتداء على أي دولة من الدول الثلاث يعد اعتداءً عليها جميعاً، وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق قُرئ سياسياً باعتباره تحالفاً دفاعياً جديداً، فإن جوهر أهميته يتجاوز البعد العسكري المباشر، ليتمثل في علاقته بالقانون الدولي وإعادة تعريف مفهوم الأمن الإقليمي.
فكما أن المادة (2) بالفقرة (4) من ميثاق الأمم المتحدة تحظر التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة أراضي الدول أو استقلالها السياسي، فقد أقر الميثاق في المادة (51) حق الدول الطبيعي في الدفاع عن نفسها فردياً أو جماعياً، في حال وقوع عدوان مسلح، ريثما يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين، كما أجازت المادة (52) من الميثاق وجود الترتيبات والتنظيمات الإقليمية التي تتصل بحفظ السلام والأمن الدوليين، ومن هذا المنظور التأسيسي فإن اتفاق مكة لا يُنشئ في ذاته حقاً جديداً في استخدام القوة، وإنما ينظم مسبقاً إطار التعاون بين الدول الثلاث في ممارسة حق الدفاع الجماعي الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة، ليصبح الالتزام بالدفاع المشترك جزءاً من منظومة أمنية متفق عليها قبل وقوع العدوان، لا قراراً سياسياً يتخذ بعد وقوعه.لذلك فإن القيمة الأعمق لاتفاق مكة، أنه ينقل المنطقة من مفهوم الاعتماد الكامل على الضمانات الخارجية، إلى مفهوم المسؤولية الإقليمية عن الأمن، ضمن إطار ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، فالدول الأطراف في هذا الاتفاق لا تتعاون في امتلاك القوة لذاتها، بل في بناء قدرة مشتركة لحماية أمنها وسيادتها، لتصبح القوة الرادعة أداة لحماية القانون والسلام، لا بديلاً عنهما.
خلاصة القول: إن أهمية اتفاق مكة لن تُقاس بعدد القوات أو الأسلحة التي يمكن أن يجمعها، بل بقدرته على ترسيخ مفهوم الردع ومنع الاعتداء قبل وقوعه، بوصفه وسيلة إستراتيجية لحماية الأمن والاستقرار، لا مبرراً لاستخدام القوة خارج نطاق القانون الدولي، ومن هنا يتحول الاتفاق من اتفاق دفاعي ثلاثي الأطراف إلى نموذج جديد للتعاون الأمني الإقليمي، يؤكد للمجتمع الدولي أن التعاون في امتلاك القوة الرادعة لا يتعارض في ذاته مع احترام القانون الدولي، بل يمكن أن يصبح جزءاً من منظومة تحمي السلام بدلاً من تهديده.
** **
- ناصر المحيّاني