عندما نتحدث عن الاستعداد لكأس العالم 2034، تتجه الأنظار بطبيعتها نحو الملاعب، وشبكات النقل، والفنادق، والمنشآت والتقنيات الحديثة. لكن هناك تفصيلًا قد لا يظهر على شاشات التلفزيون، رغم أنه قادر على أن يصنع نجاح البطولة أو يربك تجربتها بالكامل: كيف يتحرك مئات الآلاف من البشر؟
فالمشجع لا تبدأ تجربته عندما يجلس على مقعده في المدرج. تجربته تبدأ قبل ذلك بكثير؛ منذ وصوله إلى المطار، وانتقاله إلى المدينة، واختياره وسيلة النقل، واقترابه من محيط الملعب، ودخوله عبر البوابات، ثم خروجه بعد المباراة وعودته إلى وجهته التالية.
ومن هنا، فإن إدارة الحشود في الأحداث الرياضية الكبرى ليست مجرد وضع حواجز وتنظيم صفوف. إنها علم يقوم على فهم حركة الإنسان وسلوكه واتخاذه للقرار تحت الضغط، وعلى إدارة المكان والوقت والمعلومة في اللحظة نفسها.
والسؤال الذي أراه جديرًا بأن نطرحه منذ الآن هو: هل نريد في 2034 منشآت عالمية فقط، أم نريد أيضًا كفاءات سعودية عالمية تدير الإنسان داخل هذه المنشآت؟
أمامنا ثماني سنوات، وهي مدة كافية لصناعة جيل متخصص إذا بدأنا مبكرًا.
يمكن أن نؤهل شبابًا وشابات في تخصصات ربما لا تزال بعيدة عن الصورة التقليدية للمهن الرياضية: إدارة تدفقات الجماهير، عمليات الملاعب، تجربة المشجع، تحليل البيانات السلوكية، إدارة مناطق الانتظار، التواصل متعدد اللغات، خطط الإخلاء، خدمة كبار السن وذوي الإعاقة، وإدارة الحركة بين محطات النقل ومناطق المشجعين والاستادات.
وهنا أرى فرصة مهنية مهمة للمرأة السعودية تحديدًا.
فالمرأة في كأس العالم لا ينبغي أن يكون حضورها محصورًا في التشجيع أو التطوع التقليدي. تستطيع أن تكون مديرة عمليات، ومسؤولة تجربة جماهير، ومحللة لحركة الحشود، وقائدة فريق ميداني، ومتخصصة في السلامة، ومديرة لمنطقة مشجعين، وغيرها من الأدوار التي تحتاج إلى تأهيل يبدأ قبل البطولة بسنوات.
بل إن وجود كوادر نسائية مؤهلة يصبح أكثر أهمية عندما نتذكر أننا سنستقبل جماهير من ثقافات وأعمار واحتياجات مختلفة، وبينهم نساء وأطفال وعائلات. فهم تجربة هذه الفئات ليس تفصيلًا ثانويًا، بل جزء من جودة الاستضافة نفسها.
واقترح أن ننظر إلى السنوات القادمة بوصفها مختبرًا تدريبيًا لكأس العالم.
كل مباراة جماهيرية، وكل موسم رياضي، وكل بطولة دولية تستضيفها المملكة يمكن أن تصبح فرصة لتدريب الكفاءات وقياس أدائها. لا يكفي أن يتطوع الشاب أو الشابة في عشر فعاليات؛ الأهم أن تتحول هذه التجربة إلى مسار مهني: تدريب، ثم ممارسة، ثم تقييم، ثم تخصص وقيادة.
والتقنية تستطيع أن تجعل هذا المجال أكثر تقدمًا. فالبيانات اللحظية يمكن أن تساعد في قراءة كثافة الحركة، والتنبؤ بنقاط الاختناق، وتوجيه الجماهير نحو مسارات بديلة قبل تشكل الازدحام. وهنا يلتقي التنظيم الرياضي بتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والهندسة السلوكية.
لكن التقنية مهما تطورت لن تلغي العنصر البشري.
ففي اللحظات التي يتغير فيها مسار الآلاف في دقائق، تصبح طريقة إعطاء المعلومة، ووضوح الإشارة، وسرعة القرار، وقدرة الموظف على التواصل مع مشجع لا يتحدث لغته عوامل تصنع الفارق بين الازدحام والانسيابية.
لذلك ربما ينبغي أن نعيد تعريف السؤال المتعلق بالاستعداد لكأس العالم.
بدلًا من أن نسأل فقط: ماذا سنبني قبل 2034؟
علينا أن نسأل أيضًا:
من الذي نُعدّه اليوم ليعرف كيف يدير ما سنبنيه غدًا؟
وقد تكون أجمل صورة لنجاح كأس العالم 2034 ليست لقطة من داخل أحد الملاعب، بل خروج عشرات الآلاف منه في وقت واحد، بلغات وثقافات مختلفة، دون أن يشعر أحد منهم أن خلف تلك السهولة منظومة كاملة كانت تعمل.
عندما لا يشعر المشجع بإدارة الحشود، نعرف أن إدارة الحشود نجحت.
** **
- د. نورة عبدالله العمراني