ليس حديثي هنا عن أنظمة التعليم الجديد، ولا عن لوائح الوزارات، ولا عن الهياكل الإدارية وآليات التقويم والتطوير، فهذه ميادين لها أهلها وخبراؤها، وقد كتب فيها الكثير. إنما أتحدث عن القضية الأعمق؛ عن الروح التي ينبغي أن تسكن كل مشروع تعليمي، وعن الفلسفة التي تصوغ عقل الإنسان قبل أن تملأ ذاكرته بالمعلومات. فالتعليم في جوهره، ليس صناعة شهادات، ولا سباقاً في اجتياز الاختبارات، بل هو المشروع الحضاري الذي تُبنى به العقول، وتصاغ به الشخصية العلمية، ويُعاد من خلاله تشكيل وعي الأمة بذاتها وبالعالم من حولها.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل كل مصلح تربوي ليس: ماذا تدرس؟ وإنما: كيف تنشئ إنساناً قادراً على التفكير؟ فالمنهج قد يتغير، والكتاب قد يُستبدل، والتقنية قد تتطور، أما العقل الذي لم يتعلم كيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يبرهن، وكيف يكتشف، فإنه سيظل تابعاً مهما كثرت بين يديه مصادر المعرفة. ولهذا فإن أزمة التعليم في كثير من مجتمعاتنا ليست أزمة مناهج فحسب، بل هي قبل ذلك، أزمة فلسفة تعليمية لم تجعل بناء العقل غايتها الأولى.
من أكبر الأوهام التي سيطرت على الفكر العربي الحديث أن توطين العلوم يعني ترجمة المراجع الأجنبية إلى العربية، أو تدريس الفيزياء والكيمياء والأحياء باللغة العربية داخل الجامعات. هذه خطوة مهمة، لكنها ليست سوى بداية الطريق، وليست الطريق كله. فالترجمة تنقل المعرفة، أما التوطين فيصنع المعرفة. والترجمة تجعلنا نستهلك أفكار الآخرين، أما التوطين فيجعلنا شركاء في إنتاج الحضارة الإنسانية.
إن الأمة لا تدخل عصر العلم لأنها ترجمت آلاف الكتب، وإنما لأنها امتلكت العقل الذي ينتج آلاف الكتب. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين من يشتري الثمار من السوق، ومن يزرع البستان بيديه. فالثمار قد تُؤكل وتنتهي، أما البستان فيبقى يولد الثمار جيلاً بعد جيل.
إن العلوم الطبيعية ليست مجموعة من القوانين والمعادلات والتعاريف المحفوظة، وإنما هي طريقة في التفكير، ومنهج في رؤية الكون، وأسلوب في طرح الأسئلة، وآلية في اختبار الفرضيات، ومنهج في البرهنة والتجريب. ولهذا فإن توطين الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والأرض لا يبدأ من ترجمة المصطلحات، وإنما يبدأ من بناء عقل علمي عربي يفكر باللغة العربية، ويحاور الطبيعة باللغة العربية، ويصوغ فرضياته باللغة العربية، ويكتب ملاحظاته ويبتكر نماذجه الرياضية والفكرية باللغة العربية.
فاللغة ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي البيئة التي تتشكل فيها الأفكار. والكلمات ليست أصواتاً، وإنما أوعية للمعاني، وخرائط ذهنية ترسم طريقة الإنسان في فهم العالم. ولهذا لم تنهض أمة في التاريخ بعلم مستعار ولغة مستعارة، بل نهضت حين جعلت لغتها وعاءً لعلومها وأبحاثها وفلسفتها.
إن التعريب الفكري يعني أن تتحول العربية إلى لغةٍ يعيش بها العالم داخل مختبره، لا أن تكون مجرد لغة يلقي بها المحاضر درسه. ويعني أن يتصور الفيزيائي العربي الظواهر الطبيعية من خلال مفاهيم مستقرة في ذهنه بلغته الأم، وأن يحاكم النظريات بعقله دون أن يظل أسيراً للتراكيب الأجنبية التي قد تحجب عنه دقائق المعنى. فالفكرة حين تستقر في اللغة التي تشكل وجدان الإنسان تصبح أكثر عمقاً، وأكثر قدرة على التوسع والإبداع.
إن الباحث العربي لا ينبغي أن يظل مترجماً لأفكار الآخرين، بل يجب أن يكون منتجاً للأفكار. وليس المطلوب أن يعزل نفسه عن العالم، بل أن يتفاعل معه تفاعلاً خلاقاً. فالمعارف الإنسانية ملك للبشرية كلها، لكنها لا تصبح جزءاً من حضارة أمة إلا إذا أعادت تلك الأمة بناءها داخل منظومتها الفكرية واللغوية، ثم أضافت إليها شيئاً جديداً.
ولذلك فإن التعريب الفكري لا يعني الانغلاق اللغوي، ولا يعني رفض اللغات الأجنبية، بل على العكس تماماً؛ فهو يقتضي إتقان اللغات العالمية للوصول إلى أحدث الأبحاث، ثم إعادة بناء هذه المعارف داخل العقل العربي، وتحويلها إلى مادة حية تنبض باللغة العربية، قبل أن تتحول إلى أفكار جديدة تعود إلى العالم كله. فالعالم الحقيقي هو الذي يقرأ بلغات متعددة، لكنه يفكر بلغته الأم؛ لأن التفكير هو أعلى درجات امتلاك المعرفة.
إن الفيزياء، على سبيل المثال، ليست معادلات جامدة، وإنما هي خيال منظم. فقبل أن يكتب الفيزيائي معادلته، يعيش زمناً طويلاً في عالم من التصور الذهني. يتخيل حركة الجسيمات، وانحناء الزمكان، وسلوك الموجات، وبنية المادة، ثم تأتي الرياضيات بعد ذلك لتثبت صحة هذا التصور أو تنفيه. فإذا كان هذا الخيال كله يعيش بلغة أجنبية لم يتشربها الإنسان منذ طفولته، فإن جزءاً من طاقته الذهنية سيظل منشغلاً بالترجمة الداخلية، بدلاً من الانطلاق في آفاق الإبداع.
وكذلك الكيمياء ليست أسماءً للمركبات فحسب، وإنما هي رؤية جديدة لتركيب المادة، وللروابط الذرية، ولتحولات الطاقة، ولآليات التفاعل. أما علوم الحياة، فهي ليست حفظ أسماء النباتات والكائنات، بل هي محاولة لفهم سر الحياة، وكيف تنتظم الخلية، وكيف تنتقل المعلومات الوراثية، وكيف تتطور الأنظمة الحيوية عبر مليارات السنين. وكل هذه العمليات العقلية تبلغ أقصى درجاتها عندما يفكر الباحث بلغته التي تشكلت بها شخصيته منذ الطفولة.
لقد أثبت التاريخ أن النهضات العلمية الكبرى بدأت دائماً عندما أصبحت اللغة القومية لغة للبحث والإبداع. فلم تكن اللاتينية هي التي صنعت الثورة العلمية الحديثة، بل إن الأوروبيين انتقلوا تدريجياً إلى الكتابة بلغاتهم الوطنية، فظهرت المدارس العلمية الألمانية والفرنسية والإنجليزية والإيطالية والروسية، وأصبحت كل لغة مصنعاً للأفكار، لا مجرد أداة للشرح.
ولهذا فإن توطين العلوم في العالم العربي يحتاج إلى مشروع حضاري متكامل، يبدأ من الطفل في المدرسة، ولا ينتهي عند الأستاذ في الجامعة. يجب أن يتعلم الطفل كيف يلاحظ، وكيف يسأل، وكيف يشك، وكيف يجرب، وكيف يبرهن، قبل أن يحفظ القوانين. ويجب أن تصبح المختبرات جزءاً من ثقافة المجتمع، وأن تتحول القراءة العلمية إلى عادة يومية، وأن ينظر الناس إلى الباحث بوصفه صانع المستقبل، لا موظفاً ينتظر راتبه آخر الشهر.
كما أن الجامعات مطالبة بأن تتحول من مؤسسات للتلقين إلى مؤسسات لإنتاج المعرفة. فلا يكفي أن يقرأ الأستاذ أحدث الكتب الأجنبية، ثم يعيد شرحها بالعربية، وإنما المطلوب أن يقود فرقاً بحثية تنتج نظريات جديدة، وتصمم تجارب مبتكرة، وتنشر أبحاثاً تضيف شيئاً إلى الرصيد العلمي العالمي. وعندئذ فقط تصبح العربية لغة علم حقيقية. ومن أخطر ما يواجه مشروع التوطين أن بعض الناس يظنون أن اللغة العربية عاجزة عن استيعاب العلوم الحديثة. وهذه دعوى يرفضها التاريخ والعقل معاً. فاللغة العربية تمتلك نظاماً اشتقاقياً بالغ الثراء، وقدرة استثنائية على توليد المصطلحات، ومرونة دلالية تجعلها قادرة على مواكبة أدق المفاهيم العلمية، متى وجد العلماء الذين يوظفون هذه الطاقة توظيفاً صحيحاً. فاللغة لا تعجز، وإنما قد يعجز أهلها عن استثمار كنوزها.
إن القضية في جوهرها ليست قضية ألفاظ، وإنما قضية عقول. فإذا امتلك العقل العربي منهجية البحث، وروح النقد، وجرأة السؤال، وأخلاقيات العلم، فإن اللغة ستتكيف مع حاجاته كما تكيفت لغات الأمم الأخرى مع حاجات علمائها.
ولذلك فإن التعريب الفكري يعني أن تتحول العربية إلى لغة للتفكير الرياضي، والتصور الفيزيائي، والاستدلال الكيميائي، والتحليل البيولوجي، والنمذجة الحاسوبية، والبرهان المنطقي. ويعني أن يصبح الحوار العلمي بين الباحثين العرب حواراً أصيلاً، لا ترجمة متقطعة لمفاهيم أجنبية.
وحين يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، يصبح الباحث العربي قادراً على أن يكتشف قانوناً جديداً، أو يصوغ نظرية جديدة، أو يخترع تقنية جديدة، ثم يكتبها أولاً بلغته العربية، قبل أن يترجمها إلى لغات العالم. وعندئذ لا تكون العربية لغة متلقية للعلم، بل لغة مشاركة في صنعه.
إن الأمم لا تقاس بعدد الجامعات ولا بعدد الكتب المترجمة، وإنما بعدد الأفكار التي تضيفها إلى الحضارة الإنسانية. والإبداع لا يولد من التكرار، بل من استقلال العقل، وحرية التفكير، وثقة الإنسان بلغته وثقافته، مع انفتاحه الكامل على منجزات البشرية كلها.
إن توطين العلوم الطبيعية هو في حقيقته توطين للعقل العلمي ذاته؛ عقلٍ يقرأ العالم كله، لكنه لا يفقد لغته، ويتعلم من الجميع، لكنه لا يفقد شخصيته، ويحاور الحضارات جميعاً، لكنه يحتفظ بصوته الخاص. فإذا تحقق ذلك، فلن يكون للعرب مكان بين مستهلكي المعرفة فحسب، بل سيكون لهم مكان بين صناعها، وعندها فقط نستطيع أن نقول إن الفيزياء والكيمياء والأحياء وسائر العلوم قد استوطنت في أوطاننا، لا في مكتباتنا وحدها، بل في العقول التي تصنع المستقبل.
** **
د. محمد بن عوضة الأحمري - أستاذ فيزياء نظرية