في كل جامعة تُتخذ مئات القرارات كل عام. تُعتمد ميزانيات، وتُنشأ برامج أكاديمية، وتُوقَّع عقود، وتُجهَّز مختبرات، وتُبتعث كفاءات، وتُطلق مبادرات. ومع مرور الوقت، تنتهي آثار كثير من هذه القرارات بانتهاء المشروع أو السنة المالية.
لكن هناك قرارًا مختلفًا...
قرار لا يقاس أثره بالأيام، ولا بالسنوات، بل بالأجيال.
إنه قرار تعيين عضو هيئة التدريس.
فالعضو الذي يُختار اليوم لن يكون مجرد اسم يضاف إلى الهيكل التنظيمي للجامعة، بل سيكون بعد سنوات معلمًا لآلاف الطلاب، ومشرفًا على عشرات الرسائل العلمية، ومشاركًا في تطوير المناهج، وصانعًا لثقافة القسم، وربما رئيسًا للقسم، أو عميدًا، أو قائدًا لجامعة. وكل طالب يمر عبره سيحمل معه شيئًا من أثره، علمًا كان أو فكرًا أو قيمة.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق كل قرار تعيين ليس: من يشغل الوظيفة؟ وإنما: من نأتمنه على مستقبل الجامعة؟
ومن هنا تبدأ الحكاية. فالجامعات لا تبحث عن موظفين، بل عن عقول تبني عقولًا، وعن خبرات تخرج خبرات، وعن قدوات يقتدي بها جيل كامل. لذلك فإن جودة إجراءات الاختيار لا تقل أهمية عن جودة المرشح نفسه.
وفي الواقع، لا تواجه الجامعات تحديًا في ندرة الكفاءات بقدر ما تواجه تحديًا في بناء منظومة تجعل الكفاءة هي المعيار الوحيد الذي لا ينافسه معيار آخر.
فالعلاقات الأكاديمية أمر طبيعي. الأكاديميون يدرسون في الجامعات نفسها، ويجتمعون في المؤتمرات، ويتشاركون في الأبحاث، ويشرف بعضهم على بعض، ويعملون معًا سنوات طويلة. وهذه طبيعة المجتمع الأكاديمي في كل دول العالم.
لكن الحكمة المؤسسية لا تقوم على افتراض أن العلاقات مشكلة، ولا على افتراض أنها لن تؤثر، وإنما تقوم على سؤال أكثر نضجًا:
كيف نصمم إجراءات تجعل القرار مستقلًا عن أي علاقة، أيًّا كانت؟
فالجامعة الحديثة لا تكتفي بعدالة القرار، بل تحرص على أن تكون إجراءات الوصول إليه محل ثقة الجميع. ولهذا أصبحت سياسات الإفصاح عن تضارب المصالح، وامتناع من تربطه علاقة مؤثرة بأحد المتقدمين عن المشاركة في التقييم أو التصويت، من الممارسات المؤسسية التي تعزز جودة القرار وتحميه.
ولا يقف الأمر عند العلاقات الشخصية فحسب.
فهناك قضية أخرى تستحق قدرًا أكبر من الاهتمام، وهي مطابقة التخصص لاحتياج القسم الأكاديمي.
فليس كل تشابه في أسماء التخصصات يعني تشابهًا في المعرفة أو المهارات أو المخرجات. وقد يبدو التخصص مناسبًا من عنوانه، بينما تختلف طبيعته العلمية، أو مساره المهني، أو أهدافه التعليمية اختلافًا جوهريًا عن احتياج القسم.
ولهذا، فإن القراءة الدقيقة للمحتوى العلمي للتخصص، والخطط الدراسية، ومجالات البحث، والكفايات المهنية، يجب أن تسبق الاكتفاء بمسمى الشهادة. فالجامعات لا تبني برامجها بالألقاب العلمية وحدها، وإنما بالخبرات المتوافقة مع رسالتها الأكاديمية. كما أن تقييم المرشح ينبغي أن يكون صورة متكاملة، لا لقطة واحدة. فالسجل الأكاديمي، والقدرة على التدريس، والإنتاج البحثي، والتميز العلمي، والإسهام المهني، كلها أجزاء من صورة واحدة، لا يكتمل الحكم إلا باجتماعها.
إن الجامعات الكبرى لا تصنع تميزها لأنها تجذب الكفاءات فقط، بل لأنها تمتلك منظومة اختيار تجعل الكفاءة هي المنتصر الوحيد في كل منافسة.
وربما آن الأوان لأن تضيف الجامعات إلى إجراءاتها خطوة بسيطة في شكلها، عميقة في أثرها: إقرار إلزامي بالإفصاح عن أي تضارب مصالح يوقع عليه كل من يشارك في أي مرحلة من مراحل التعيين، من لجنة المقابلات، إلى مجلس القسم، ثم مجلس الكلية، فالمجلس العلمي، وصولًا إلى مجلس الجامعة. فإذا وُجدت علاقة قد تؤثر في الحياد، كان الإفصاح عنها والامتناع عن المشاركة جزءًا من سلامة الإجراء، لا تشكيكًا في الأشخاص.
كما أن الاستعانة بمراجعين أكاديميين مستقلين في التخصصات الدقيقة، ووضع معايير وطنية أكثر دقة لمواءمة التخصصات مع احتياجات الأقسام، ونشر أسس المفاضلة بوضوح، كلها خطوات تعزز جودة الاختيار، وتمنح المجتمع الأكاديمي مزيدًا من الثقة في مخرجاته.
فالجامعات لا تتقدم بالمصادفة، ولا تحافظ على مكانتها بالحظ، وإنما بسلسلة طويلة من القرارات الصحيحة.
وأول هذه القرارات.. أن يكون الطريق إلى منصة التدريس مفتوحًا للكفاءة وحدها. لأن الجامعة قد تنجح في تصحيح مقرر، أو تطوير برنامج، أو تحديث لائحة، لكنها ستدفع ثمنًا طويلًا إذا أخطأت في اختيار من يقف أمام طلابها.
فمستقبل الجامعة لا يُكتب يوم افتتاح مبنى جديد.. بل يُكتب يوم توقيع قرار تعيين عضو هيئة تدريس.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري