المدينة المنورة - خاص بـ«الجزيرة»:
لم يعد الطلاق في المجتمع السعودي مجرد واقعة أسرية تُقرأ داخل بيتٍ مغلق، بل صار مؤشراً اجتماعياً كاشفاً لتحولات أعمق في بنية الأسرة، ومستقبل توقعات الزواج، ومؤشر لتغيير في أنماط التواصل بين الأسر.
في هذا اللقاء، نستضيف الدكتور محمود المختار الشنقيطي الداعية والأكاديمي المتخصص في العلوم الشرعية والتربوية ليقدم لنا في هذا الحوار الثري قراءة هادئة ورصينة في «الرقم الصاخب» للطلاق، من منظور شرعي وتربوي يجمع بين دقة الإحصاء والتحليل وعمق التأصيل الشرعي، والتوجيه التربوي، وفيما يلي نص الحوار:
* كيف تقرؤون لغة الأرقام الصادرة مؤخراً حول معدلات الطلاق في المملكة؟
- أولا: سأتكلم في جميع الأجوبة بلغة صُحُفية، تتسم بالاختصار والاشارات دون البسط والتدليل بالنصوص الكثيرة في الموضوع، وبعدم التوسع في الوعظ والرقائق أو القواعد الشرعية الضابطة في الموضوع - وما أكثرها - حتى يستوعب القارئ.
ثانياً: المنظور الشرعي يرى في تصاعد الأرقام مؤشراً على خلل في تمثل قيم الترابط الأسري، والتحمل عند الرجل والصبر، وقيمة الأمانة والمعاشرة بالمعروف؛ فالطلاق في الشريعة «علاج استثنائي لا أصل عشوائي»، والارتفاع الرقمي الحالي يعود في جانب منه إلى تسرع أطراف العلاقة في هدم «الميثاق الغليظ» لأدنى خصومة، دون تفعيل لآليات وسلوك التحمل والاحتساب التربوي التي تحفظ كيان الأسرة، الذي يجمعه قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنةً إن سخِطَ منْها خُلقًا رضِيَ منْها آخرَ) أخرجه الإمام مسلم رحمه الله.
* ترتفع المعدلات بوضوح في المدن الكبرى كالرياض ومكة، ما تفسيركم الجغرافي والاجتماعي لذلك؟
- اتساع المدن أضعف الرقابة التربوية واختزل دور «الحَكَمين» الذي شرعه الله كصمام أمان؛ فالمدنية الحديثة عزلت الأسرة وغيبت الوساطة الإصلاحية لكبار العائلة فغاب دور حكماء الأسرة وكبارها ومصلحوها ومحتبسوها، وهذا الانعزال جعل الخصومات تنمو في بيئة تفتقر إلى الفقه الشرعي والتوعية الاجتماعية الحاضنة، فيدفعهم هذا الفراغ للتعجل في اللجوء للقضاء بدلاً من الحلول الودية التي كانت تفرضها المجتمعات المحلية المترابطة سابقاً.
* تشير الإحصاءات إلى أن السنوات الخمس الأولى من عمر الزوجين هي الأكثر هشاشة، لماذا تسقط الأقنعة سريعاً؟
- السبب هو غياب التأصيل الإيماني لمفهوم الزواج، والجهل بالحقوق والواجبات الشرعية؛ حيث يدخل الكثيرون بعقلية نفعية وفضولية غافلة عن فقه «عبادة الزواج وتحقيق مقاصد الزواج الشرعية»، وميزان «الفضل» والتحمل، فعند أول اصطدام بالواقع، يغيب التوجيه النبوي: «لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً»، ويخبو ويضعف استحضار المقاصد الشرعية، فيقع العجز والنفور وتستسهل النفوس الطلاق كحل أولي بدلاً من كونه خياراً أخيراً.
* كيف ترون أثر المفاهيم الوافدة كـ«النسوية» والدعوة لـ«المشاركة في القوامة» على استقرار الأسرة؟
- هذه الأفكار الوافدة طرحت نموذجاً «ندياً» تصادمياً لشرع الله، يفكك الأسرة باسم الفردانية؛ فحين تُنازع المرأة زوجها في «القوامة الشرعية» -التي هي قيادة تدبير وحماية لا تسلط- يختل ميزان الاستقرار. البيت سفينة لا تبحر برُبّانَين، وإلغاء فقه التكامل والرضا والاستسلام لأحكام الله مثل: القوامة والولاية واستبداله بالصراع والندية كما هو حال المجتمعات المتحررة من الدين، فينزع السكينة والمودة والرحمة وتعجل تلك الأفكار بخراب البيوت.
* يلاحظ توسع لافت في طلبات «الخلع»، كيف تقرؤون هذه الظاهرة شرعياً وتربوياً؟
- الخلع مشروع لرفع الضرر الحقيقي، لكن التوسع العشوائي فيه لأسباب تافهة يدخل في وعيد الحديث: «أيما امرأة سألت زوجها طلاقاً في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة». الاستسهال الإجرائي القضائي والافتتان بـ «الخلع الرقمي» صار موضةً أخيراً، فحوّل الرابطة المقدسة التي وصفها الله بقوله تعالى: (وَكَيفَ تَأخُذونَهُ وَقَد أَفضى بَعضُكُم إِلى بَعضٍ وَأَخَذنَ مِنكُم ميثقًا غَليظًا)، فحوله التساهل والتعجل بالخلع -للأسف- إلى عقد استهلاكي يُفسخ عند أول بادرة جفاء، ثم تندم المرأة ولات ساعة مندم، وهو ما يتطلب وقفة توعوية دعْوية ووعظية، وإجراءات ضابطة حازمة وهو الذي تم بحمد الله مؤخراً.
* كيف أثر الانفتاح الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي على استقرار البيت السعودي؟
- هذه المنصات -في الغالب- انتهكت «حرمة البيوت» وبثت سموم المقارنة وتطلّع النفوس لنعم الآخرين، مما أفسد القلوب وحقّق «التخبيب المحرم» بتزهيد المرأة في زوجها، حتى قال : (... ومن أفسدَ امرأةً على زوجِها فليسَ منَّا): أخرجه أبو داود.
فغياب التقوى الرقمية والمراقبة الإيمانية الذاتية، وتقليد واستشراف حياة المشاهير المزيفة نزع البركة والقناعة من البيوت، وحوّل الخصوصيات الزوجية إلى مشاع رقمي يُعجل بهدمها عاطفياً وقانونياً.
* ما هو «الطلاق العاطفي» من زاوية شرعية، وكيف يمكن رصده قبل فوات الأوان؟
- هو عكس الإشباع العاطفي الذي هو من مقاصد النكاح في الشريعة، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً..). .
إذاً هو بقاء العقد مع موت المعاشرة بالمعروف؛ وبالمودة والرحمة فلا رحمة ولا سكن، بل مجرد قيام بالحقوق وأداء الواجبات صورياً، والعلاج يبدأ بإحياء عبادة وأجر البذل والعطاء المادي والعاطفي داخل البيت، وإلزام النفس بالإنصاف، وعدم الظلم وسوء الظن.
الانفصال النفسي أو الطلاق العاطفي يسبق الصّك الرسمي بمدة، والشرع يأمرنا بالإصلاح فور شعورنا بـ التقصير والجفاء قبل «النشوز» أو «الشقاق» حماية للميثاق الغليظ «الزواج».
* يُنظر لنظام الأحوال الشخصية الجديد كطفرة تشريعية، هل ساهم في ضبط الظاهرة؟
- النظام الجديد تقنين معاصر مستمد من مقاصد الشريعة لحفظ الضروريات، وهو يجسد مبدأ «رفع الضرر» لإنهاء عقود المكايدة والظلم.
المنظومة اليوم تدعم تماسك الأسرة عبر تفعيل الإصلاح الإلزامي (منصة تراضي) ومكاتب الصلح والاستشارات الأسرية واستشارة أهل العلم والخبرة والحكمة قبل التفريق، مما يمنح فرصة حقيقية للمراجعة قبل اتخاذ قرار قد يندم عليه الطرفان.
* يطالب المتخصصون بجعل دورات تأهيل المقبلين على الزواج إلزامية، ما جدوى ذلك شرعياً؟
- هذا المطلب يتسق مع قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»؛ فمع جهل الكثيرين بفقه النكاح والعشرة، يصبح تأهيلهم ضرورة لحماية العقود، والحقيبة الوطنية السعودية تهدف لتأسيس البيوت على تقوى ووعي بالحقوق، وهي أداة وقائية تحقن «الدماء الاجتماعية» قبل وصول الخلاف إلى طريق مسدود في المحاكم.
* كيف نحمي الأطفال بعد الطلاق، وما هي الرسالة الختامية المتوازنة للمجتمع؟
- شرعاً، الطلاق لا يسقط الأبوة؛ والواجب هو «التسريح بإحسان» ومنع تحويل الطفل إلى سلاح انتقام. رسالتنا: لا تهوّنوا الطلاق حتى يصير كلمة غضب، ولا تهوّلوه حتى يبقى المظلوم بلا حماية، والواجب هو: تأهيل قبل الزواج، صلح ٌ وتدخلٌ حكيم قبل الطلاق، عدل عند الانفصال يثمر طلاقا ناجحا يكفل الحقوق ويتنازل من أجل الامتثال لأمر الله تعالى: (وَلا تَنسَوُا الفَضلَ بَينَكُم إِنَّ اللَّهَ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ)، وتقوى الله عصمةٍ للزوجين وأهلهما عند وجود الخلاف في كل الأحوال.
* ختاماً فضيلة الدكتور، ما هي رؤيتكم العلاجية وتوجيهاتكم العملية للحد من ظاهرة التسرع في الطلاق؟
- العلاج ينطلق من مسارين؛ أولهما: ضبط الاستثارة النفسية عبر تبني «هدنة الـ 24 ساعة» بالصمت أو المغادرة الجسدية حتى يهدأ الغضب، والتفريق بين «صعوبة المرحلة» كأزمات النفاس أو المال وبين «فشل العلاقة»، مع إحياء «الامتنان اليومي المرئي» بالثناء على المحاسن لإطفاء التذمر، والحذر الصارم من «المستشارين الافتراضيين» في الفضاء الرقمي الذين يعبثون بسرية البيوت ويُدخلون الكبرياء ولا يفقهون طبيعة وخصوصية كل حالة بذاتها!!، وكذلك عناد الأفكار الوافدة الهدامة والحث والحض على تأجيج الخصومة والحمية الجاهلية.
وثانيهما: إعادة هندسة المفاهيم الشرعية والتربوية؛ بتفكيك «فلسفة الحقوق» الجافة واستبدالها بـ»فلسفة الفضل والتغافل» {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}، وإعادة تعريف «القوامة» وشرحها في خطابنا الدعْوي والمسجدي بدل تصويرها كسلطة إقصائية وسوط تهديد إلى «احتواء قيادي ومظلة أمان»، مع المطالبة بـ»تأهيل زواجي سايكولوجي» إلزامي يفهم فيه الطرفان الفروق النفسية بين الجنسين، وتفعيل «الحكم الخارجي المحترف» والمحايد عند الانسداد بعيداً عن حَمِيّة الأقارب الجاهلية، فضلاً عن بناء «مشاريع أسرية ومشتركة «تعزز الالتحام الوجودي»، واستحضار «كلفة ما بعد الطلاق» نفسياً ومادياً وتربوياً قبل نطق الفراق.
وختاماً: أخطر ما في الطلاق المتسرع أنه لا يبدأ من المحكمة، بل من كلمة تهديد، وصحبة محرضة، وكبرياء يمنع الاعتذار؛ فالبيوت لا تُحفظ بانعدام الخلاف بل بحسن إدارته، والرجولة ليست في سرعة الهدم بل في استثمار الخلاف لترميم الكيان وحفظ الأمانة وحسن العشرة.