وَمَا أَحَدٌ كَانَ المَنَايَا وَرَاءَهُ
وَلَوْ عَاشَ (أعواماً) طِوَالاً بِسَالِمِ
مهما طال بالإنسان العمر، وامتدت به سنوات الحياة، فإنه لا محالة راحلٌ عنها؛ فالدنيا دار ممرٍّ وفناء، والآخرة دار قرار وبقاء، وكل نفسٍ ذائقة الموت، ولا يبقى للإنسان بعد رحيله إلا ما قدّم من عمل، وما خلّفه من أثر، وما تركه من سيرة وذكر حسن.
كيْفَ البَقَاءُ وَبَابُ المَوْتِ مُنْفَتِحٌ
وَلَيْسَ يُغْلَقُ حَتَّى يَنْفَدَ البَشَرُ
والموفَّق السعيد من يغادر هذه الدنيا وقد تزود منها بالتقوى والعمل الصالح، وترك وراءه ذكرًا طيبًا ومحبةً صادقة في قلوب الناس.
وَلَا خَيْرَ فِي الدنيا لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ
مِنَ الله فِي دَارِ المُقَامِ نَصيبُ
فِإِنْ تُعْجِب الدُّنْيَا رجَالا فإِنها
متاعٌ قليلٌ والزوالُ قريبُ
وهذه المعاني تذكّرنا بالأخ الغالي عبدالله بن عبدالرحمن الزوير «أبي عبدالرحمن»، الذي انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الأحد 26-2-1448هـ، بعد حياة طويلة حافلة بالطاعة والعبادة، وعمرٍ مديد عَبَرَ فيه الهُنيدة، أي تجاوز المائة عام، قضاه في طاعة الله، والسعي في طلب الرزق، وتربية الأبناء، وصلة الرحم، وفعل الخير. وأُدّيت الصلاة عليه بعد صلاة العصر في جامع الشيخ عبدالله بن محمد البراهيم بمحافظة حريملاء، ثم وُوري جثمانه الثرى في مقبرة صفيّة، وسط مشاعر الحزن والأسى على رحيله. وشارك في الصلاة عليه وتشييع جنازته جمعٌ غفير من أقاربه ومعارفه ومحبيه، في مشهدٍ جسّد ما كان له من مكانةٍ ومحبةٍ في نفوس من عرفوه.وقد ولد رحمه الله في حريملاء عام 1344هـ تقريبًا، ونشأ في كنف والديه، وعاش طفولته بين أحضانهما، وقد حرص والده على تعليمه، فألحقه بأحد الكتاتيب في حريملاء، فتعلّم القراءة والكتابة، وقرأ القرآن الكريم وحفظ عددًا من سوره.
وكغيره من أبناء جيله، كافح رحمه الله في هذه الحياة، معتمدًا على الله ثم على نفسه في طلب الرزق، فعمل في الفلاحة والزراعة، وتنقّل بين الأعمال المختلفة، مجتهدًا في القيام بمسؤولياته. والتحق بالعمل في بلدية حريملاء بعد افتتاحها عام 1383هـ تقريبًا، ثم انتقل للعمل عضوًا في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تقاعده.
وإنّما رجلُ الدُّنيا وواحِدُها
من لا يعوِّلُ في الدُّنيا على (أَحدِ)
وقد عُرف رحمه الله بالاستقامة وعفة اللسان والإعراض عن الكلام في الناس، كما عُرف عنه العطف على الفقراء والمساكين، وحب الخير، والحرص على فعل المعروف، وهي خصال كريمة يبقى أثرها في النفوس.
فَأَحسَنُ الحالاتِ حالُ امرِئٍ
تَطيبُ بَعدَ المَوتِ أَخبارُهُ
يَفنى وَيَبقى ذِكرُهُ بَعده
إِذا خَلَت مِن شَخصِهِ دارُهُ
وقد وهبه الله ذرية صالحة بنين وبنات وكان يوصيهم بتقوى الله وصلة الرحم، وقام بتربيتهم التربية الصالحة. وقد قاموا بعنايته وملازمته والقيام بجميع شؤونه وخاصة في سنواته الأخيرة وهذا ليس بمستغرب عليهم، فجزاهم الله خير الجزاء ورحم الله والديهم وكان الله في عونهم على فراقه.رحم الله الفقيد (أبا عبدالرحمن) بواسع رحمته وألهم أبناءه وبناته وأسرة الزوير وأرحامهم أسرة الباتلي ومحبيه الصبر والسلوان.
إلى جنَّة الفردوسِ والعفو والرّضى
وفي رحمة الرَّحمن أَصْبَحتَ ثاوياً
** **
- عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف