«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم تعد المطارات الكبرى تُقاس فقط بعدد الرحلات التي تستقبلها أو المسافرين الذين تعبر بهم إلى وجهاتهم؛ فالمطار الحديث أصبح عنوانًا لما تستطيع المدن والدول أن تقدمه من نموذج في العمران والاستدامة وجودة الحياة. وفي مطار الملك عبدالعزيز الدولي بجدة، تتشكل ملامح هذا التحول عبر إنجازين يلتقيان عند فكرة واحدة: أن تكون البنية التحتية أكثر ذكاءً، والبيئة أكثر حضورًا، وتجربة المسافر أكثر ثراءً.
فقد حققت شركة مطارات جدة إنجازًا دوليًا بحصول الصالة (1) على الشهادة الذهبية في نظام الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة للمباني الخضراء (LEED Gold)، بالتزامن مع إنجاز وطني غير مسبوق تمثل في حصول حوض الأسماك داخل الصالة على أول ترخيص لمركز عروض للحياة البحرية في المملكة العربية السعودية.
إنجازان في مرفق واحد، لكن دلالتهما تتجاوز حدود المبنى؛ الأول يضع أحد أكبر مرافق المطار أمام معيار عالمي للاستدامة، والثاني يفتح داخل فضاء السفر نافذة على الحياة البحرية والتنوع الحيوي، في صورة تعكس اتساع مفهوم المطار من منشأة للنقل إلى بيئة متكاملة تتقاطع فيها العمارة مع البيئة، والتشغيل مع الابتكار، والخدمة مع المعرفة.
وتأتي الشهادة الذهبية التي حصلت عليها الصالة (1) من المجلس الأمريكي للمباني الخضراء لتمنح الإنجاز ثقله الدولي، خصوصًا أن الصالة تمتد على مساحة تبلغ 810 آلاف متر مربع، ما يجعلها، وفق المعلومات الواردة، أكبر مبنى منفرد في المملكة العربية السعودية يحصل على تصنيف LEED Gold.
ولا تكمن أهمية هذا التصنيف في اسمه الدولي وحده، بل في طبيعة المعايير التي يقيسها؛ إذ يرتبط نظام LEED بجوانب أساسية من أداء المباني الخضراء، من بينها كفاءة استخدام الطاقة والمياه، وجودة البيئة الداخلية، والإدارة المستدامة للموارد، بما يعزز الكفاءة التشغيلية ويحد من الأثر البيئي. وهنا يتحول المبنى من كتلة عمرانية ضخمة إلى منظومة أداء؛ فكلما ارتفعت كفاءة المنشأة في استهلاك مواردها وإدارتها، أصبحت الاستدامة جزءًا من تشغيلها اليومي، لا شعارًا يضاف إلى واجهتها. وفي الجانب الآخر من الصورة، يأتي حوض الأسماك داخل الصالة بإنجاز يحمل طابعًا وطنيًا خاصًا؛ إذ حصل على ترخيص مركز عروض للحياة البحرية صادر عن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، ليصبح أول مركز من نوعه في المملكة يحصل على هذا الترخيص.
وتتجاوز قيمة هذا الإنجاز فكرة وجود حوض أسماك في مطار دولي؛ فالترخيص يضع هذا النشاط ضمن إطار تنظيمي وبيئي، ويعكس الالتزام بالضوابط الوطنية المرتبطة بعروض الحياة البحرية والمحافظة على التنوع الحيوي. كما يمنح المسافر تجربة مختلفة؛ فبينما اعتاد أن يرى في المطار شاشات الرحلات وممرات الصالات ومنافذ الخدمات، يجد أمامه هذه المرة مشهدًا من العالم البحري، بما يحمله من قيمة جمالية ومعرفية، ويضيف إلى تجربة الانتظار مساحة للتأمل والاكتشاف.
والمطار، في فلسفته الجديدة، لا ينبغي أن يكون مكانًا ينتظر فيه المسافر طائرته فحسب؛ بل مساحة يمكن أن يتعلم فيها، ويكتشف، ويتفاعل، ويستحضر شيئًا من هوية المكان الذي وصل إليه أو يغادره.
ومن هنا تبدو الحياة البحرية داخل الصالة أكثر من عنصر جمالي؛ فهي تقدم نموذجًا لكيفية توظيف المرافق العامة في بناء تجربة إنسانية متعددة الأبعاد، تجمع بين الخدمة والمعرفة والترفيه والوعي البيئي.
وإذا كانت الصالة (1) تعكس الاستدامة في بنيتها وأدائها، فإن حوض الحياة البحرية يعكسها في تجربة الجمهور؛ ليشكلا معًا وجهين لمفهوم واحد: مرفق أكثر كفاءة، وتجربة أكثر وعيًا. وتكمن القيمة الأهم في الإنجازين في أنهما يقدمان الاستدامة باعتبارها ممارسة ملموسة وليست مفهومًا نظريًا. فالحصول على تصنيف LEED Gold يربط الاستدامة بأداء مبنى واسع النطاق، فيما يربط ترخيص مركز عروض الحياة البحرية الاستدامة بحماية الحياة الفطرية والالتزام بالمعايير المنظمة لها.
وبين المبنى والكائن البحري تتسع الصورة؛ إذ يصبح المطار نفسه مساحة يمكن أن تتعايش فيها مفاهيم الكفاءة البيئية مع التجربة الإنسانية. ويحمل مطار الملك عبدالعزيز الدولي خصوصية تتجاوز وظيفته التشغيلية؛ فهو بوابة رئيسية للمملكة، ويستقبل مسافرين من مختلف أنحاء العالم، ولذلك فإن ما يراه المسافر داخل المطار يصبح جزءًا من الصورة التي يحملها عن المملكة. ومن هنا، فإن تطوير مرافق المطار وفق معايير الاستدامة العالمية، وإدخال عناصر الحياة البحرية والوعي البيئي إلى تجربة المسافر، يمنحان المكان وظيفة إضافية: أن يكون واجهة ثقافية وحضارية إلى جانب كونه بوابة جوية.
وتنسجم هذه الرؤية مع التحول الذي تشهده المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، التي جعلت جودة الحياة والاستدامة وتطوير البنية التحتية والارتقاء بمستوى الخدمات جزءًا من مسار التنمية الشاملة. وقد تبدو الشهادة الذهبية والترخيص البحري إنجازين منفصلين، لكن قراءتهما في سياق واحد تكشف عن تحول أعمق في طريقة التفكير بالمرافق الكبرى.
فالمطار الذي يحصل على اعتراف دولي في مجال المباني الخضراء، ويحتضن في الوقت نفسه أول مركز مرخص لعروض الحياة البحرية في المملكة، يقدم صورة مختلفة عن المنشأة الجوية التقليدية؛ صورة يصبح فيها الابتكار جزءًا من التشغيل، والاستدامة جزءًا من التصميم، والبيئة جزءًا من التجربة، والإنسان محورًا لكل ذلك. وهكذا تواصل «مطارات جدة» تطوير مفهوم بوابة المملكة الجوية؛ ليس فقط باعتبارها نقطة يصل عبرها العالم إلى جدة، أو يغادر منها المسافرون إلى مختلف الوجهات، وإنما باعتبارها فضاءً يعكس جانبًا من التحول الذي تعيشه المملكة: بنية تحتية تتطلع إلى المعايير العالمية، وبيئة تحظى بمكانتها، وتجربة سفر تتجاوز فكرة العبور إلى صناعة الذاكرة.