لا تنظر إسرائيل إلى اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، باعتباره مجرد ترتيبات دفاعية لمواجهة إيران، فحتى لو أكدت الوثائق الرسمية والتصريحات التركية والباكستانية على الطبيعة الدفاعية للاتفاق وعدم استهدافه أي دولة بعينها، فإن المؤسسة الأمنية في تل أبيب تتعامل معه بوصفه منعطفًا إستراتيجيًا، وليس حدثًا هامشيًا. فالبند الذي ينص على أن «أي هجوم مسلح على أحد الأطراف يُعتبر هجومًا على الجميع» يُقرأ في إسرائيل كإعلان عن ولادة منظومة أمنية إقليمية جديدة، تتشكل من دونها، وهذا وحده كافٍ لإطلاق حالة تأهب قصوى لدى المؤسسة الأمنية الإسرائيلية.
القلق الإسرائيلي!
في الحسابات الإسرائيلية، لا تكمن المشكلة في هوية العدو الذي يحدده اتفاق مكة، بل في المنظومة التي قد ينتجها بمرور الزمن. إذ لأول مرة، تتجمع ثلاث دول إسلامية تمتلك عناصر قوة متكاملة:
• السعودية: تمتلك الثقل المالي والنفوذ السياسي والمكانة الدينية والوقود النفطي.
• تركيا: تمتلك القوة العسكرية التقليدية والصناعة الدفاعية المتطورة والخبرات العملياتية الميدانية.
• باكستان: تمتلك الجيش الضخم والخبرة العسكرية والقدرات الإستراتيجية (بوصفها الدولة الإسلامية الوحيدة المسلحة نوويًا)
هل ستتراجع مكانة إسرائيل
في المعادلة الأمنية الجديدة؟
من منظور تل أبيب، فإن السؤال الجوهري ليس: «هل ستُشن هذه الدول حربًا على إسرائيل؟» بل: هل سيستطيع التحالف الإسلامي الجديد أن يجعل إسرائيل أقل ضرورة في المعادلة الأمنية الإقليمية مما كانت عليه في العقود الماضية؟» وهو سؤال وجودي بامتياز لا وفق الاعتبارات الإسرائيلية التالية:
أولًا: الاتفاق يمثل تحولًا خطيرًا
لا ترى إسرائيل في اتفاق مكة، بصورته الراهنة، تهديدًا عسكريًا وشيكًا، ما لم تكن هناك قيادة عسكرية موحدة، وآلية تدخل تلقائي، لكن الإستراتيجية الإسرائيلية تنظر إلى المسار وليس الحدث. فإذا تطور هذا التعاون إلى تدريبات مشتركة، وتكامل في الدفاع الجوي والصاروخي، وتبادل استخباري، وتعاون في الصناعات العسكرية، فإنه سيتحول من إطار سياسي إلى بنية أمنية جامعة، تهدد التفوق النوعي الإسرائيلي وتُحكم الطوق الإستراتيجي على تل أبيب.
ثانيًا: السعودية و«تنويع مصادر الردع»
تقرأ إسرائيل السياسة السعودية على أنها إستراتيجية تحوط متقدمة، وليست ابتعادًا عن الولايات المتحدة الأمريكية أو قطيعة مع الغرب. فالرياض، في التقدير الإسرائيلي، تدرك أن الاعتماد الأحادي على واشنطن لم يعد مضمونًا، لذا فهي تعمل على:
• التعاون مع واشنطن في التسليح والاستخبارات.
• تطوير علاقات دفاعية مع تركيا وباكستان.
• تعزيز الشراكة الاقتصادية مع الصين.
ولا تُعد هذه السياسة السعودية -من وجهة نظر تل أبيب- متناقضة، بل هي سياسة تحوط إستراتيجي ذكي، لكنها تُفقد الولايات المتحدة تدريجيًا احتكارها للخيارات الأمنية السعودية.
ثالثا: السعودية اليوم
فالسعودية اليوم تستطيع:
• الحصول على دفاعات وتكنولوجيا من الولايات المتحدة وتركيا.
• تعزيز قدراتها الإستراتيجية مع باكستان.
• جذب الاستثمارات من الصين.
• الاحتفاظ بقنوات تواصل مع إيران.
رابعًا: تركيا.. الحلقة الأكثر إزعاجًا!
إذا كان الاتفاق يضم ثلاثة أطراف، فإن إسرائيل تنظر إلى تركيا باعتبارها العنصر الأخطر والمزعج. فالقلق لا يقتصر على الرئيس أردوغان، بل يمتد إلى مشروع تركي طموح لإعادة تعريف القوة الإقليمية، مستندًا إلى:
• جيش كبير وخبرة عملياتية متقدمة.
• صناعة دفاعية رائدة في المسيرات والصواريخ والدفاع الجوي.
• موقع جغرافي يتحكم في شرق المتوسط والبحر الأسود وسوريا.
ودخول تركيا في ترتيبات دفاعية مع السعودية وباكستان سيمنحها أكثر من مجرد شراكة عسكرية، بل شريك داخل منظومة الأمن الخليجي، وهذا تطور تتعامل معه تل أبيب باعتباره تهديدًا على جبهتها الشمالية الشرقية بشكل غير مسبوق.
خامسًا: البعد الباكستاني – قلق نووي إستراتيجي
لا تخشى إسرائيل في المدى القصير أن يتحول الاتفاق إلى «مظلة نووية» سعودية أو تركية، لكن وجود دولة نووية (باكستان) ضمن إطار أمني جديد يرفع ثقل التحالف السياسي والعسكري، وقد يُغير حسابات الردع في المنطقة. لكن الخطر الأكبر من وجهة نظر إسرائيلية هو تأثير النجاح النموذجي لهذا التحالف، فقد يشجع دولًا أخرى على البحث عن ترتيبات إستراتيجية مماثلة، مما يفتح بابًا لسباق إقليمي نحو القدرات الإستراتيجية والنووية، وهو سيناريو يهدد التفوق النوعي الإسرائيلي في المجال الردعي.
سادسًا: البحر الأحمر - نقطة الالتحام الجيوسياسي
تزداد أهمية الاتفاق بسبب الجغرافيا. فالسعودية على البحر الأحمر، وتركيا على المتوسط، وباكستان على بحر العرب. لذا فإن أي تعاون بحري بين الدول الثلاث سيمتد إلى أمن الملاحة وحماية المنشآت الحيوية وخطوط الطاقة. وبالنسبة لإسرائيل، فإن أمن إيلات، وحرية الملاحة عبر باب المندب، والاتصال بين البحر الأحمر وشرق المتوسط، كلها عناصر ترتبط بأمنها القومي بشكل مباشر. وعليه، فإن أي ترتيبات أمنية بحرية مستقلة عن إسرائيل في هذه المنطقة، تُعتبر بمثابة تضييق للخناق على حرية عملها الإستراتيجي، وتقييد لقدرتها على حماية مصالحها الحيوية.
سابعًا: إسرائيل وفقدان المركزية!
جوهر القلق الإسرائيلي ليس قيام تحالف عسكري يعلن الحرب، بل شيء أكثر هدوءًا وأعمق أثرًا: أن تصبح إسرائيل أقل مركزية في النظام الإقليمي. فإذا استطاعت السعودية بناء شبكة أمنية مع واشنطن وأنقرة وإسلام آباد، وشبكة اقتصادية مع بكين ونيودلهي، وقنوات سياسية مع دول أخرى، فهذا يضرب الفرضية الأهم في الإستراتيجية الإسرائيلية خلال السنوات الماضية.
ثامنًا: الانتقال من «المحاور» إلى «الشبكات»
تقرأ إسرائيل اتفاق مكة في سياق تحول أوسع، حيث لم تعد المنطقة تتحرك وفق محاور ثابتة، بل أصبحت تتحرك وفق شبكات متداخلة ومتشابكة:
• السعودية مع واشنطن، لكنها تتعاون مع بكين وأنقرة.
• تركيا عضو في الناتو، لكنها تبني شراكات مستقلة مع دول عربية وآسيوية.
• باكستان شريك للسعودية، لكنها مرتبطة إستراتيجيًا بالصين.
في نظام المحاور، تستطيع إسرائيل تحديد الحلفاء والخصوم بوضوح. أما في نظام الشبكات، فالأمر ليس كذلك. وهذا الواقع الجديد أكثر تعقيدًا وخطورة على الأمن الإسرائيلي، لأنه يصعب فيه بناء تحالفات ثابتة أو احتواء التهديدات بآليات تقليدية.
تاسعًا: مصر – المتغير الذي يحول
الاتفاق إلى منظومة شاملة
تراقب إسرائيل بقلق إمكانية انضمام مصر إلى هذا الإطار الأمني. فمصر ليست مجرد دولة عربية إضافية، بل هي قوة عسكرية رئيسة، تتحكم في قناة السويس، وتمتلك موقعًا محوريًا بين البحر الأحمر والمتوسط والخليج. انضمامها قد يحول الاتفاق من تحالف ثلاثي إلى منظومة إقليمية شاملة. القلق الإسرائيلي هنا ليس من تحول مصر إلى عدو، بل من قدرتها على الانخراط في إطار أمني إقليمي تكون إسرائيل خارجه، مما يعزز عزلتها الإستراتيجية ويحد من خياراتها.
5. استثمار القيمة الاقتصادية الإسرائيلية عبر المشاركة في ممرات التجارة والطاقة والتكنولوجيا بين الخليج وآسيا وأوروبا.
خلاصة القول، فإن اتفاق مكة -من وجهة النظر الإسرائيلية- لا يمثل اليوم «ناتو إسلاميًا» ولا تحالفًا معاديًا معلنًا، لكن خطورته على إسرائيل تكمن في كونه مرآة لاتجاه جديد في الشرق الأوسط، حيث تعمل القوى الإقليمية الإسلامية على بناء منظوماتها الأمنية الذاتية، وتنويع مصادر ردعها، وتقليل اعتمادها على قوة خارجية واحدة. وإذا انضمت مصر مستقبلًا فإنها ستضيف وزنًا جغرافيًا وعسكريًا هائلًا.
** **
- سعد عبد العزيز محمد