«الجزيرة» - تقرير وائل العتيبي:
لم تعد التجارة المتنقلة نشاطًا يمكن ممارسته في أي مساحة متاحة، أو ممارسة تجارية تُترك لاجتهاد المكان؛ فقد أعادت وزارة البلديات والإسكان تنظيم النشاط تحت مسمى «التاجر المتنقل» بدلًا من «البائع الجائل»، ضمن إطار يحوله من ممارسة عشوائية في الفضاء العام إلى نشاط تجاري منظم، له ترخيص وموقع وتصريح واشتراطات مكانية وتشغيلية وفنية واضحة.
يقوم التنظيم على معادلة توازن بين تمكين أصحاب المشاريع الصغيرة ودعم العمل الحر من جهة، وحماية مستخدمي الطرق والمشاة والمرافق العامة، والحفاظ على انسيابية الحركة وجودة المشهد الحضري من جهة أخرى.
وأوضح المتحدث الرسمي لوزارة البلديات والإسكان، محمد بن عبدالله الرساسمة، أن الاشتراطات المنظمة للنشاط تحظر ممارسة «التاجر المتنقل» في 9 فئات من المواقع، لارتباطها المباشر بالسلامة المرورية وحركة المركبات والمشاة، أو لكونها مرافق مخصصة لاستخدامات عامة محددة.
تشمل المواقع المحظورة: تقاطعات الطرق، والجزر الوسطية، ومواقف الأشخاص ذوي الإعاقة، ومداخل ومخارج الطرق الرئيسة، والمواقع المجاورة لإشارات المرور، وأماكن انتظار السيارات العامة، ومسارات الدراجات الهوائية، والطرق ذات الكثافة المرورية العالية، إضافة إلى المواقع المخصصة للشرطة والمرور والدفاع المدني والإسعاف.
ولا يتعلق المنع بالمكان لذاته بقدر ما يتعلق بوظيفته؛ فاختيار موقع غير مناسب قد يحجب الرؤية، أو يعيق حركة المركبات والمشاة، أو يشغل مواقف مخصصة لفئات محددة، أو يؤثر في وصول مركبات الطوارئ إلى مواقعها. ومن هنا، يصبح الحفاظ على الاستخدام الأصلي للطريق أو المرفق العام أحد أهم مرتكزات التنظيم.
وتقدم الاشتراطات المحدثة مفهوم «التاجر المتنقل» بوصفه نشاطًا تجاريًا منظمًا، لا نشاطًا عشوائيًا؛ فهي تحدد الجوانب المكانية والتشغيلية والفنية، وتنظم مواقع ممارسة النشاط ومنافذ البيع والعربات المتنقلة، بما يمنح الممارسين إطارًا واضحًا لمعرفة أين وكيف يمكنهم ممارسة نشاطهم بصورة نظامية.
يعكس اعتماد مسمى «التاجر المتنقل» بدلًا من «الباعة الجائلين» توجهًا نحو إعادة تعريف النشاط وإدماجه في البيئة التجارية الرسمية، وتوفير إطار أكثر وضوحًا لممارسي العمل الحر، مع الحد من الممارسات التي قد تؤثر في المشهد الحضري أو تعطل استخدام المرافق العامة.
ومن أهم ما ينبغي أن يدركه الراغب في ممارسة النشاط أن ترخيص التاجر لا يعني تلقائيًا حق البيع في أي مكان؛ إذ يتطلب النشاط تصريحًا لمنفذ البيع أو موقف العربة، مرتبطًا بترخيص سارٍ، وبموافقة الأمانة أو البلدية المختصة.
في المقابل، تسمح الاشتراطات بممارسة النشاط في مواقع محددة، من بينها الساحات والحدائق العامة، ومواقع الفعاليات، وبعض المنشآت الحكومية والخاصة، والمواقع البلدية الاستثمارية، والحاضنات البلدية، والأسواق الشعبية، ومواقع منافذ البيع أو مواقف العربات على الشوارع التجارية، وفق الضوابط والموافقات المعتمدة.
وبذلك تصبح المعادلة النظامية واضحة: تاجر مرخص، ونشاط محدد، وموقع معتمد، وتصريح سارٍ.
لا يعني السماح بالموقع إمكانية استغلاله بلا قيود؛ إذ تشترط الضوابط الحفاظ على ممر للمشاة بعرض لا يقل عن 1.8 متر، إلى جانب مسافات محددة عن مداخل المباني وأماكن التجمع وعناصر البنية التحتية، بما يضمن استمرار حركة المشاة وعدم تحول منفذ البيع إلى عائق في الفضاء العام.
كما لا يجوز أن يؤدي النشاط في مواقف السيارات إلى التأثير في الطاقة الاستيعابية للمواقف أو الحركة المرورية، مع اشتراط موافقة الجهة المالكة للموقف والجهة البلدية المختصة.
أما العربات المتنقلة، فيجب أن تكون نافذة البيع موجهة نحو رصيف المشاة وليس مسار الطريق، ولا يسمح باستخدامها لتقديم خدمة طلبات السيارات بما قد يؤدي إلى توقف المركبات أو إحداث ازدحام مروري.
ولا يمنح الترخيص التاجر حرية بيع جميع المنتجات؛ إذ تحظر الاشتراطات عددًا من السلع والأنشطة التي تتطلب تنظيمات خاصة، من بينها اللحوم والدواجن والأسماك غير المطهية، والحيوانات والطيور الحية، وبعض المنتجات الطبية والأدوية، والعدسات اللاصقة، والتبغ، والألعاب النارية، والمعادن الثمينة والأسلحة وغيرها.
كما يلتزم التاجر بممارسة النشاط المرخص له فقط، وفي حدود الموقع والتصريح والمدة المحددة، بما يمنع تحويل الترخيص إلى مظلة لممارسة نشاط مختلف أو التوسع خارج النطاق المعتمد.
ولا تتوقف عملية التنظيم عند المكان والعربة؛ فالتاجر مطالب بتوفير وسائل دفع إلكتروني صالحة وجاهزة للاستخدام، وإظهار خيارات الدفع، بما يعزز سهولة التعامل ويربط النشاط المتنقل بالمنظومة التجارية الرقمية.
كما يتعين وضع رمز QR يتيح الاطلاع على المستندات النظامية المرتبطة بالنشاط، مثل الترخيص والتصريح والشهادة الصحية ورخصة العربة، بحسب طبيعة النشاط.
وهنا لا يؤدي الرمز وظيفة تقنية فحسب، بل يضيف مستوى من الشفافية وقابلية التحقق؛ إذ يستطيع المستهلك والجهات الرقابية معرفة ما إذا كان النشاط قائمًا بصورة نظامية.
تتولى الأمانات والبلديات تحديد المواقع المناسبة ومتابعة تطبيق الاشتراطات ميدانيًا ضمن أعمال الرقابة البلدية، بما يشمل تنظيم أوقات ممارسة النشاط وفق طبيعة المواقع والأنظمة والمواسم، وتعزيز الالتزام بالضوابط التي تحمي الطرق والمرافق العامة.
كما دعت وزارة البلديات والإسكان إلى الإبلاغ عن الملاحظات والمخالفات المرتبطة بممارسة النشاط عبر الرقم الموحد 940 أو من خلال تطبيق «بلدي»، بما يسهم في سرعة التعامل معها والمحافظة على سلامة الطرق والمرافق العامة.
وأهمية التنظيم لا تقتصر على التاجر وحده؛ فالتاجر يحصل على إطار أوضح لممارسة العمل الحر، والمستهلك يتعامل مع نشاط أكثر تنظيمًا وقابلية للتحقق، بينما تستفيد المدينة من منع تحول العربات ومنافذ البيع إلى عوائق أمام الحركة أو استخدام المرافق.
وبذلك يرتبط تنظيم «التاجر المتنقل» بثلاثة أهداف متداخلة: تمكين النشاط التجاري الصغير، رفع مستوى الامتثال، وتحسين البيئة العمرانية والمشهد الحضري.
وتكشف المنظومة في جوهرها أن تغيير المسمى من «البائع الجائل» إلى «التاجر المتنقل» ليس تحولًا لغويًا؛ بل إعادة تعريف للنشاط وعلاقته بالمدينة. فالتجارة المتنقلة مسموحة، لكن داخل خريطة حضرية محددة، وبضوابط تضمن ألا تأتي ممارسة النشاط على حساب الطريق أو المشاة أو المرافق العامة.
الخلاصة
التاجر المتنقل فيما سبق كان يستطيع أن يتحرك بين المواقع، لكن ليس خارج النظام؛ فالمعادلة الجديدة تقوم على تاجر مرخص، ونشاط محدد، وموقع معتمد، وتصريح سارٍ، وعربة أو منفذ بيع مستوفٍ للاشتراطات، وتشغيل لا يعطل الوظيفة الأساسية للمكان.
وهذه هي الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها الاشتراطات: تمكين التاجر المتنقل، لا إطلاقه في الفضاء العام؛ وتنظيم التجارة، لا إقصاؤها؛ وتحسين المشهد الحضري، دون إغلاق الباب أمام العمل الحر.
فالتاجر هنا بلا محل ثابت، لكنه ليس بلا عنوان نظامي؛ ومتنقل في موقعه، لكنه ثابت في التزامه.