«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ليست «جوستلي كيسز» (Ghostly Kisses) مجرد تجربة موسيقية كندية عابرة في المشهد السعودي؛ فالمشروع الذي تقوده المغنية والملحنة الكندية مارغو سوفِيه (Margaux Sauvé) استطاع أن يبني حضورًا متناميًا في المملكة، مستندًا إلى موسيقى حالمة تمزج بين البوب المستقل والإلكترونيات ذات الحس السينمائي، وصوت شفيف تتجاور فيه مشاعر الحنين والتأمل والحميمية.
بدأت «جوستلي كيسز» عام 2016 بوصفها مشروعًا فرديًا في مدينة كيبيك الكندية ، قبل أن تتحول عام 2018 إلى ثنائي بانضمام الموسيقي لويس إتيان سانتيه (Louis-Etienne Santais). ومن أبرز أعمالها «Heaven, Wait – الجنة، انتظري»، و«The City Holds My Heart - المدينة تحتضن قلبي»، و«Never Let Me Go – لا تدعني أرحل»، و«Darkroom - الغرفة المظلمة»؛ وهي أعمال تكشف عن هوية موسيقية تنشغل ببناء الحالة الشعورية، أكثر من انشغالها بالاستعراض.
وفي السعودية، اتخذ حضور «جوستلي كيسز» مسارًا متدرجًا بين العلا وجدة والرياض، حيث التقت بالجمهور في فضاءات ثقافية ومهرجانات وحفلات موسيقية، قبل أن تجتمع مع فرقة «كايروكي» على مسرح عبادي الجوهر أرينا في جدة عام 2025، في أمسية جمعت الموسيقى العربية البديلة بالتجربة الكندية الحالمة. وشهد الحفل تفاعلًا لافتًا من الجمهور، الذي ردد مع سوفِيه كلمات أغنياتها.
وفي 3 سبتمبر 2026، تلتقي التجربتان مجددًا على مسرح عبادي الجوهر أرينا في جدة، ضمن فعاليات موسم جدة، وبرعاية الهيئة العامة للترفيه وتنظيم شركة «بنش مارك»، في أمسية تجمع بين الروح البديلة التي تمثلها «كايروكي» والأجواء الحالمة التي تشكل البصمة الموسيقية لـ«جوستلي كيسز».
وتحتفي «جوستلي كيسز» خلال الحفل بألبومها «Across the Pond – عبر البركة»، فيما تقدم «كايروكي» مجموعة من أعمال ألبومها الجديد «Supernova – سوبرنوفا»، إلى جانب مختارات من أبرز أعمالهما؛ في لقاء يجمع تجربتين مختلفتين في اللغة والموسيقى، تلتقيان في قدرتهما على مخاطبة المشاعر وبناء علاقة مباشرة مع الجمهور.
ويحمل عنوان «سوبرنوفا» دلالة فلكية تشير إلى «المستعر الأعظم»، وهي ظاهرة يطلق خلالها النجم قدرًا هائلًا من الطاقة والضوء. غير أن أمير عيد أوضح في المادة الترويجية للألبوم أن اختيار الاسم لم يكن مرتبطًا بالمعنى الفلكي تحديدًا، بقدر ما جذبه وقع الكلمة وشكلها وما تحمله من إيحاءات متعددة.
ويقدم الألبوم توجهًا موسيقيًا أكثر اتساعًا، تتحرك فيه «كايروكي» بين الموسيقى البديلة والهيب هوب والإلكترونيات، بما يجعل «سوبرنوفا» عنوانًا يمكن قراءته بوصفه استعارة للتحول والانفجار الإبداعي وبداية مرحلة جديدة في مسيرة الفرقة.
ولا تأتي الأمسية المرتقبة في جدة بوصفها لقاءً أول بين التجربتين؛ فقد سبق للجمهور السعودي أن استقبلهما معًا، قبل أن يتجدد الموعد في المدينة ذاتها. وهو ما يمنح الحفل دلالة تتجاوز فكرة التقاء فنانين على خشبة واحدة، لتلامس علاقة آخذة في التشكل بين التجربة الموسيقية والجمهور السعودي.
ومن العلا إلى جدة والرياض، ثم العودة إلى جدة، تبدو رحلة «جوستلي كيسز» أكثر من سلسلة من الحفلات؛ إنها حكاية صوت جاء من كيبيك، ووجد في السعودية جمهورًا يصغي إليه ويتفاعل معه، في وقت تثبت فيه «كايروكي» أن الموسيقى العربية البديلة قادرة على التحاور مع تجارب عالمية، من دون أن تفقد هويتها الخاصة. وفي المشهد الأوسع، تكشف هذه الأمسية عن اتساع الذائقة الموسيقية في المملكة؛ فالمشهد الجديد لا يكتفي باستضافة أسماء عالمية، بل يضعها في حوار حي مع تجارب عربية تمتلك جمهورها ولغتها الفنية وخصوصيتها.
وهكذا تصبح جدة مساحة تلتقي فيها أصوات مختلفة، لا لتتشابه، وإنما لتكتشف مساحات التقاطع بينها. فالموسيقى، في نهاية الأمر، لا تحتاج دائمًا إلى لغة مشتركة كي تُفهم؛ يكفي أن تصل بصدقها إلى الوجدان، لتصنع ذاكرة مشتركة تتجاوز اللغة والجغرافيا.