الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
أكد متخصص ومهتم في الشأن الاقتصادي والاجتماعي على أن هدر الطعام في المجتمع من أهم القضايا التي تستحق أن تنتقل من دائرة التوعية إلى دائرة المعالجة الجادة، مشيراً إلى أن الإسلام وضع القاعدة التي لا ينبغي أن نغفل عنها، فقال سبحانه: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وقال عز وجل: {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَتَصَدَّقُوا وَالْبَسُوا، فِي غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ».
بل بلغ من تعظيم الإسلام للنعمة أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمحافظة على اللقمة الواحدة، فقال: «إذا سقطت لقمة أحدكم فليمط عنها الأذى ثم ليأكلها، ولا يدعها للشيطان».
وإذا كان هذا هو توجيه الإسلام في لقمة واحدة، فكيف بما نشاهده اليوم من موائد تهدر فيها مئات الكيلوغرامات من الطعام واللحوم في مناسبة واحدة؟
وقال الدكتور عبدالكريم بن عبدالله الباز في حديثه لـ»الجزيرة»: إن المشكلة ليست ضعف الوعي، فمعظم الناس يعلمون أن الإسراف محرم، وإنما المشكلة أن المجتمع أوجد عرفاً اجتماعياً جعل كثيراً من الناس يشعرون أن الكرم لا يكتمل إلا بعرض الذبائح كاملة، حتى أصبح صاحب المناسبة يخشى أن يُتهم بالبخل إن خالف هذا العرف، وهنا يكمن أصل المشكلة، مشدداً على أن الكرم الحقيقي ليس في حجم ما يُعرض على المائدة، وإنما في إشباع الضيف وإكرامه، أما التباهي بوجود كميات من الطعام تزيد كثيراً على حاجة الحاضرين، فلا أراه من الكرم الذي يحبه الله ورسوله، بل يدخل في دائرة الإسراف الذي نهينا عنه، وربما يقول قائل: إن الفائض لا يرمى، وإنما تتولى جمعيات حفظ النعمة استلامه، وهذه الجمعيات تقوم بعمل مشكور، ولكنها تعالج أثر المشكلة ولا تعالج سببها، كما أن عمليات جمع الطعام، وفرزه، وحفظه، وتبريده، ونقله، وإعادة توزيعه تحتاج إلى كوادر، ومركبات، ومستودعات، وتجهيزات، وتكاليف تشغيلية كبيرة، في حين أن مدة صلاحية الطعام المطبوخ قصيرة، ولا يخفى ما قد يترتب على سوء الحفظ أو التأخير من مخاطر صحية. كما أن جزءاً من هذا الطعام قد لا يصل دائماً إلى مستحقيه، ولذلك فإن منع الهدر قبل وقوعه أكثر حكمة وأقل تكلفة وأقرب إلى مقاصد الشريعة من معالجة نتائجه بعد وقوعه.
ويرى الدكتور عبدالكريم الباز أن الوقت قد حان لدراسة تنظيم وطني شجاع تتبناه الجهات المختصة، يقضي بتنظيم طريقة تقديم اللحوم في المناسبات العامة والخاصة، بحيث لا تُقدم الذبائح كاملة كما هو متعارف عليه اليوم، وإنما تُجزأ إلى قطع مناسبة تكفي حاجة الضيوف وتحقق مقصود الإكرام دون إسراف، مع تنظيم ذلك من خلال المسالخ والمطابخ وقاعات المناسبات، ووضع ضوابط وغرامات للمخالفين، ولعل البعض يستغرب هذا المقترح في بدايته، كما استغرب المجتمع في السابق كثيراً من الأنظمة التي أثبتت الأيام أنها كانت تصب في مصلحة الوطن والمواطن، مؤكداً أن هذا التنظيم لن يمنع الكرم، ولن ينتقص من مكانة الضيافة السعودية، بل سيحفظها من أن تقترن بالإسراف، كما أنه سيحقق في الوقت نفسه أهدافاً وطنية كبرى، منها:
حفظ نعمة الله وشكرها عملياً، والحد من هدر مليارات الريالات سنوياً، والمحافظة على الثروة الحيوانية، وتعزيز الأمن الغذائي، وتخفيف الأعباء المالية عن الأسر وأصحاب المناسبات، ورفع الحرج الاجتماعي عن الجميع، لأن الجميع سيلتزم بنظام واحد.
واستكمل د.الباز تصوره بتقديم مقترح مكمل لما رآه، وهو أن تُمنح المطابخ وقاعات المناسبات تصنيفاً أو شهادة تميز في ترشيد الهدر الغذائي، بحيث تتحول المحافظة على النعمة إلى معيار جودة ومصدر فخر، كما أصبحت معايير السلامة والنظافة اليوم، مختتما حديثه بفكرة يؤمن بها، وهو أن الأمم لا تُقاس اليوم بحجم ما تستهلكه، وإنما بحكمة إدارتها لمواردها، والكرم لا يقاس بما يبقى على الموائد، وإنما بما يُدخل السرور على الضيف دون إسراف، وبما يحفظ نعم الله للأجيال القادمة، وأنه ليس من الكرم أن نقدم طعاماً يكفي مائتي إنسان لخمسين ضيفاً، بل الكرم أن نشبع الخمسين، ونحفظ حق المائة والخمسين الآخرين في نعمة استخلفنا الله عليها، وسيسألنا عنها يوم القيامة.
معتقدا أن هذا المقترح - إذا تبنته إحدى الجهات المعنية كوزارة البيئة والمياه والزراعة، أو الهيئة العامة للأمن الغذائي، أو وزارة البلديات والإسكان، بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة - قد يكون من أكثر المبادرات أثراً في خفض الهدر الغذائي في المملكة، لأنه يعالج سبب المشكلة لا نتيجتها فقط.