رحلت أم عماد (زينب بنت حمد المالك)..
ورحل معها وجهٌ من الوجوه التي اعتدنا أن نراها فنطمئن ونرتاح.
ونسمع صوتها فنشعر أن الدنيا رغم ما فيها ما زالت بخير.
رحلت امرأة لم تكن حياتها سهلة،
ولم يكن طريقها مفروشًا بالراحة والنعيم، لكنها كانت من أولئك الذين يخفون وجعهم خلف كلمة عظيمة ترددها بلسانها صباحاً ومساءً «الحمد لله».
عاشت أم عماد سنوات طويلة من الغربة والشقاء، وتحملت في حياتها ما لو حَمَلَهُ غيرها لربما أثقله وأتعبه،
ثم ابتليت بالمرض، واشتد عليها التعب حتى بلغ منها مبلغًا عظيمًا، ومع ذلك، لا أذكر أنني سمعتها يومًا تتضجر من مرضها، أو تتشكى من حالها، أو تسخط على ما ألمّ بها، كانت إذا سُئلت عن حالها قالت بكل بساطة ورضا:
«الحمد لله، أنا طيبة وبخير»..
كأنها كانت ترى أن مجرد أن يهبها الله يومًا آخر، ونفَسًا آخر، وقدرة على الكلام والجلوس ورؤية من تحب، هي نعمة تستحق الحمد.
لم تكن هذه العبارة منها مجرد عادة تتكرر على اللسان، بل كانت منهج حياة.
كانت أم عماد تعرف الألم، لكنها لم تكن تسمح للألم أن يسرق منها رضاها، ولم يحصل لها أن استسلمت له، وعرفت الشقاء، لكنها لم تجعل الشقاء سببًا للشكوى.
وعرفت المرض، لكنها قابلته بالصبر.
وعرفت الغربة، لكنها لم تفقد دفء القلب ولا حسن الظن بالله.
وهنا تكمن عظمة أم عماد كما عرفها الجميع.
فبعض الناس يترك أثره بكثرة الكلام، وبعضهم يترك أثره بكثرة المال أو المناصب أو الإنجازات، أما أم عماد رحمها الله فقد تركت أثرها بسيرتها وصبرها ورضاها التام بما كتب الله لها..
كانت امرأة من ذلك الجيل الذي كان يرى الصبر عبادة، والرضا راحة، والحمد لله بابًا لا يُغلق مهما اشتدت الظروف.
ثم شاء الله أن تكون خاتمة حياتها في وقت فضيل من يوم الجمعة، بعد صلاة العصر، في وقت يُرجى فيه أن تكون ساعة إجابة.
ولا نملك إلا أن نستبشر لها ونرجو لها الخير..
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عنها اليوم إن من عرفها لم يعرف منها إلا الخير.
لم تكن ممن يحمّلون الآخرين أوجاعهم، ولا ممن يجعلون مرضهم حديث المجالس، ولا ممن يطلبون الشفقة.
كانت تتألم، وتسكت.
تتعب، وتصبر.
تُسأل عن حالها، فتقول: «الحمد لله، أنا بخير»..
وكأنها كانت تريد أن تعلمنا، دون أن تعظنا، أن المؤمن يستطيع أن يتألم دون أن يجزع، وأن يبتلى دون أن يتسخط، وأن يشتد عليه البلاء ويبقى قلبه متعلقًا بالله.
رحلت أم عماد، لكن مثل هذه الأرواح لا ترحل تمامًا.
يبقى منها الدعاء في قلوب من أحبوها، وتبقى مواقفها في ذاكرة من عاشوا معها، وتبقى كلماتها البسيطة درسًا لا يُنسى.
وستبقى عبارتها التي كانت ترددها:
«الحمد لله، أنا طيبة وبخير»..
من أكثر ما يختصر شخصيتها وحياتها؛ امرأة أتعبها المرض،
وأتعبتها الحياة، لكنها لم تسمح للتعب أن يهزم رضاها.
اللهم إن أم عماد قد لقيتك اليوم..
وقد شهدنا لها بما عرفناه عنها من صبر ورضا وحسن عشرة وطيب قلب..
فاللهم عاملها بفضلك لا بعدلك.. وبرحمتك لا بعملها.
اللهم اغفر لها وارحمها، وعافها واعف عنها، وأكرم نزلها، ووسع مدخلها، واجعل قبرها روضة من رياض الجنة.
اللهم اجعل ما أصابها من مرض وتعب وغربة وشقاء كفارةً لذنوبها، ورفعةً في درجاتها.
واجعل صبرها ورضاها وحمدها لك نورًا لها يوم تلقاك.
اللهم اجمعها بزوجها ووالديها في مستقر رحمتك، واجمعها بمن تحب في جنات النعيم، واجعل ما عانته في الدنيا آخر تعب لها، وأول راحتها الأبدية.
رحمك الله يا أم عماد.
عرفناكِ صابرة..
ورحلْتِ وأنتِ حامدة.
وسيظل أجمل ما نقوله عنك:
كانت تتألم كثيرًا، لكنها لم تكن تشكو إلا إلى الله.
وكانت إذا سألناها عن حالها قالت:
«الحمد لله، أنا طيبة وبخير»
رحم الله أم عماد..
وغفر لها وأسكنها الفردوس الأعلى من الجنة، وألهم بناتها وعيالها ومحبيها الصبر والسلوان.
** **
- فهد بن محمد المالك