تبدأ معظم الشركات العائلية بقصة نجاح يقودها مؤسس يمتلك الرؤية والقرار والعلاقات والخبرة، لكن التحدي الحقيقي لا يظهر في الجيل الأول، وإنما عندما تنتقل الشركة إلى الأبناء ثم الأحفاد. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تستمر بعض الشركات العائلية عشرات وربما مئات السنين، بينما تتراجع أو تختفي شركات أخرى بعد رحيل مؤسسها؟
الإجابة لا ترتبط بحجم الثروة وحده، وإنما بقدرة العائلة على تحويل نجاح الفرد إلى نجاح مؤسسي، وبناء شركة تستطيع الاستمرار بعيداً عن الأشخاص.
ويأتي في مقدمة عوامل الاستمرار الفصل بين الملكية والإدارة. فامتلاك أفراد العائلة للشركة لا يعني بالضرورة أن يكونوا جميعاً مؤهلين لإدارتها. الشركة تحتاج إلى أفضل الكفاءات، سواء كانت من داخل العائلة أو خارجها، بينما تمارس العائلة حقوقها بوصفها مالكاً من خلال مجلس الإدارة والجمعية والسياسات المنظمة للعمل.
العامل الثاني هو الحوكمة المبكرة. ومن الأخطاء التي تقع فيها بعض الشركات العائلية أنها لا تفكر في الحوكمة إلا بعد ظهور الخلافات، بينما الحوكمة الحقيقية يجب أن تبدأ والشركة مستقرة، من خلال تحديد الصلاحيات، وتنظيم العلاقة بين أفراد العائلة والشركة، ووضع سياسات واضحة للتوظيف والمكافآت والتوزيعات وتعارض المصالح.
أما العامل الثالث فهو التخطيط لانتقال القيادة. فالمؤسس الناجح ليس فقط من يبني شركة قوية، وإنما من يبني شركة تستطيع الاستمرار من دونه. ولذلك فإن إعداد الجيل التالي يجب أن يبدأ قبل سنوات من انتقال المسؤولية، من خلال التعليم والخبرة والتدرج في المناصب وتحمل المسؤوليات، وليس بمجرد حمل الاسم العائلي.
ويأتي العامل الرابع في حماية الشركة من الخلافات العائلية. فمع انتقال الملكية من جيل إلى آخر يزداد عدد الملاك وتتباين احتياجاتهم وتوجهاتهم. وما كان يمكن حسمه بين مؤسس وأبنائه قد يصبح أكثر تعقيداً عندما يصبح المساهمون عشرات من أبناء وأحفاد العائلة. وهنا تظهر أهمية ميثاق العائلة ومجلس العائلة والسياسات الواضحة للتخارج وتوزيع الأرباح وآليات اتخاذ القرار.
أما العامل الخامس فهو القدرة على التجدد. فالاستمرار لا يعني المحافظة على النشاط بالطريقة نفسها التي بدأ بها المؤسس؛ فالأسواق والعملاء والتقنية ونماذج الأعمال تتغير باستمرار. والشركة العائلية التي تتمسك بالماضي لمجرد أنه صنع نجاحها قد تجعل من تاريخها عائقاً أمام مستقبلها.
إن عمر الشركة العائلية لا يقاس فقط بعدد السنوات التي مرت منذ تأسيسها، بل بعدد المرات التي استطاعت فيها الانتقال بنجاح من جيل إلى جيل، ومن قيادة إلى أخرى، ومن مرحلة اقتصادية إلى مرحلة جديدة.
ولذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يشغل كل مؤسس ليس فقط: كم تبلغ قيمة شركتي اليوم؟
بل السؤال الأكثر أهمية:
هل تستطيع هذه الشركة أن تنجح بعدي؟
** **
- عبدالله صالح الشماسي