تخيل أن قرارًا كبيرًا يتعلق بتجربة جماهير الهلال أو النصر أو الاتحاد أو الأهلي لن يُتخذ قبل أن يُسمع صوت ممثلين عن جماهير النادي. ليس عبر هاشتاق بعد صدور القرار. ولا من خلال موجة غضب في منصات التواصل. ولا باستبيان يُرسل بعد أن يصبح كل شيء واقعًا. بل قبل القرار.
هذه ليست دعوة لأن يختار الجمهور المدرب، أو يحدد التشكيلة، أو يتدخل في التعاقدات والقرارات الفنية. فالإدارة يجب أن تدير، والجهاز الفني يجب أن يعمل ضمن صلاحياته. لكن هناك نوعًا آخر من القرارات لا يخص الإدارة وحدها.
ماذا عن أسعار التذاكر؟ وتجربة يوم المباراة؟ والمنتجات الرسمية؟ والخدمات داخل الملعب؟ والهوية التاريخية للنادي؟ والمنصات الرقمية؟ والمشاريع التي تغير علاقة المشجع بناديه لسنوات؟ هنا يصبح السؤال مختلفًا: إذا كان الجمهور هو أكثر من سيتأثر بالقرار، فلماذا نسمع صوته غالبًا بعد اتخاذه؟
من «التفاعل مع الجمهور» إلى «مشاركة الجمهور»
تعيش كرة القدم السعودية مرحلة تحول استثنائية، وفي السنوات الأخيرة تطورت تجربة المشجع، واتسعت المبادرات الجماهيرية، وارتفع الاهتمام بالحضور والتفاعل وصناعة تجربة تتجاوز التسعين دقيقة. وهذا تطور مهم. لكنني أعتقد أن المرحلة المقبلة يمكن أن تذهب إلى مستوى أبعد: ألا نسأل فقط: كيف نجعل الجمهور أكثر تفاعلًا مع النادي؟ بل: كيف نجعل النادي أكثر استماعًا للجمهور؟ هناك فرق كبير بين السؤالين. الأول ينظر إلى المشجع باعتباره متلقيًا للتجربة. والثاني يعترف به باعتباره أحد أصحاب المصلحة في المؤسسة الرياضية. وفي عدد من التجارب الكروية الدولية، بدأت هذه الفكرة تتحول إلى ممارسة مؤسسية.
فنجد مجالس استشارية للجماهير تناقش مع إدارات الأندية قضايا إستراتيجية تمس المشجعين. وفي بعض النماذج توجد منتديات أخرى للقضايا التشغيلية وتجربة يوم المباراة، بينما يتركز عمل المجلس الاستشاري على الملفات ذات الأثر طويل المدى. الفكرة هنا ليست نقل إدارة النادي إلى المدرجات. بل نقل صوت المدرجات إلى المكان الذي تُصنع فيه بعض القرارات.
مقعد للجمهور.. لا مقعد للإدارة
ومن هنا أقترح التفكير في نموذج سعودي يمكن تسميته: «مجلس الجمهور» مجلس استشاري صغير ومنظم داخل النادي، يضم ممثلين عن شرائح مختلفة من جماهيره. الشاب الذي يحضر معظم المباريات. المشجعة. المشجع من ذوي الإعاقة. ممثلًا عن روابط المشجعين. المشجع القادم من مدينة أخرى. وربما ممثلًا عن الجماهير الدولية عندما يمتلك النادي قاعدة جماهيرية واسعة خارج المملكة. لا يُختار هؤلاء بناءً على عدد المتابعين، ولا على ارتفاع الصوت في المنصات. بل وفق معايير واضحة تضمن تمثيل الجمهور، لا تمثيل الشهرة. ويلتقي المجلس بصورة دورية مع مسؤولين مخولين داخل النادي، وتكون له أجندة معلنة وحدود صلاحيات واضحة. فلا يناقش التشكيلة. ولا يفاوض لاعبًا. ولا يتحول إلى إدارة موازية. إنما يناقش القرارات التي يكون المشجع طرفًا مباشرًا في أثرها. لكن المجلس وحده لا يكفي إن أنشأنا مجلسًا للجماهير والتقطنا صورة للاجتماع ثم انتهى الأمر، فنحن لم نغير شيئًا. لذلك أقترح أن يرتبط المجلس بأداة ثانية:
«تقرير الأثر الجماهيري»
قبل اتخاذ قرار إستراتيجي كبير يمس الجمهور، يجيب النادي عن أسئلة مختصرة: كيف سيؤثر القرار على تجربة المشجع؟ من الفئات الأكثر تأثرًا به؟ هل استُمع إلى عينة ممثلة من الجماهير؟ ما الاعتراضات الرئيسة؟ وهل عُدّل شيء في القرار نتيجة هذا الحوار؟ ثم بعد تطبيق القرار بفترة، يعود النادي إلى السؤال: ماذا حدث فعلًا؟ هل تحسنت التجربة؟ هل كانت توقعاتنا صحيحة؟ هل ظهرت آثار لم نتوقعها؟ وماذا سنتعلم منها في القرار القادم؟ عندها يتحول الاستماع للجمهور من نشاط علاقات عامة إلى جزء من جودة القرار.
فكرة ثالثة: «حق الرد على المقترح» وهنا يمكن أن نذهب أبعد. ليس مطلوبًا من النادي تنفيذ كل ما يقترحه الجمهور؛ فهذا غير واقعي وقد يضر بالإدارة أكثر مما يخدمها. لكن ماذا لو التزم النادي بمبدأ بسيط: كل مقترح إستراتيجي يعتمد عليه مجلس الجمهور يحصل على رد مؤسسي.
قد يكون الرد: نوافق. أو: سندرس. أو حتى: لا نوافق. لكن في الحالة الأخيرة يوضح النادي، ضمن الحدود التي تسمح بها السرية التجارية والإدارية، لماذا؟ وهذا فارق جوهري. لأن المشاركة الحقيقية لا تعني أن يحصل المشجع دائمًا على ما يريد، بل أن يعرف أن صوته وصل، ودُرس، وأُجيب عنه.
الجمهور أصل من أصول النادي
عندما نتحدث عن قيمة النادي، نتحدث عن اللاعبين، والعلامة التجارية، والمنشآت، والرعايات، والبطولات. لكن هناك أصلًا لا يظهر بسهولة في القوائم المالية: الثقة الجماهيرية. يمكن شراء لاعب. ويمكن بناء ملعب. ويمكن توقيع عقد رعاية.
لكن لا يمكن شراء انتماء مشجع انتقل إليه حب النادي من والده، وربما سينقله إلى أبنائه. هذه العلاقة الممتدة عبر الأجيال ليست مجرد عاطفة رياضية.
إنها قيمة اقتصادية وسمعة وهوية وقوة سوقية. ولذلك فإن إشراك الجمهور لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تنازلًا من الإدارة. قد يكون، في الحقيقة، أداة لحماية أحد أهم أصول النادي.
ولماذا الآن؟ لأن كرة القدم السعودية لم تعد مشروعًا محليًا صغيرًا. الأندية تكبر. الاستثمارات تكبر. القيمة التجارية تكبر. والاهتمام الدولي يكبر. ومع نمو المؤسسة الرياضية، تصبح المسافة بين غرفة القرار والمدرج أكثر أهمية.
وهنا أمام الأندية السعودية فرصة لا أرى ضرورة لأن تنتظر حتى تصبح هذه الممارسات إلزامية في لوائح أو معايير.
لماذا لا يبادر نادٍ سعودي كبير من تلقاء نفسه؟ الهلال. النصر. الاتحاد. الأهلي. أو أي نادٍ يرى أن جمهوره ليس رقمًا في الحضور، وإنما شريك في المستقبل. يبدأ بنموذج تجريبي لمدة موسم واحد. مجلس جمهور محدود العدد. اجتماعات دورية. تقرير أثر جماهيري. ورد مؤسسي على المقترحات. ثم ينشر في نهاية الموسم تقريرًا واحدًا: ماذا قال جمهورنا؟ ماذا غيّرنا؟ وماذا تعلمنا؟
إذا نجحت التجربة، لن يكون السؤال بعدها: هل نحتاج مجالس للجماهير؟ بل: لماذا لم نفعل ذلك من قبل؟ فالمرحلة الأولى من الاحتراف جعلت المشجع عميلًا. والمرحلة التالية جعلته جزءًا من التجربة. أما المرحلة التي تستحق أن نبدأ التفكير فيها اليوم، فهي أن يصبح المشجع، في المساحة التي تخصه: صوتًا مسموعًا قبل القرار، لا رد فعل بعده. فالجمهور الذي يملأ المدرج يستحق أكثر من مقعد لمشاهدة المباراة.
ربما حان الوقت أن يكون له مقعدٌ أيضًا حين تُصنع القرارات التي تمسه.
** **
- د. نورة عبدالله العمراني