ثمة حقائق نعرفها بعقولنا، ولا تستطيع قلوبنا تصديقها إلا حين تقع. كنت أعلم أن أمي ستموت يومًا ما، لكن لم أتصور قط كيف سيكون العالم من بعدها. كأنني كنت أؤمن بأنها استثناء وأن الموت وإن طرق أبواب الناس جميعًا، سيظل الطريق إلى بابها، لكنه أتاها من النافذة كما كان يخيل لها ليلة وفاتها.
وفي لحظة، أصبح للبيت معنى آخر. كل شيء بقي في مكانه، إلا من كانت تمنح المكان معناه، الجدران هي الجدران، والأبواب ذاتها، والأثاث لم يتغير، حتى الأشياء الصغيرة التي اعتادت أن تضعها هنا وهناك لا تزال شاهدة عليها؛ إلا أن هذا البيت الذي عرفته طوال عمري لم يعد كما كان، وأن هذا البيت فقد أحد أهم أركانه.
كنت أظن أن الغياب يعني ألا ترى من تحب، ثم عرفت أن للغياب صورًا أشد قسوة، أن ترى مكانها ولا تراها، أن تمر بشيء فتتهيأ لأن تخبرها به، أن تسمع كلمة كانت تقولها، أن تقع عيناك على شيء من مقتنياتها، فتعود للحظة إلى عالم كانت فيه، قبل أن تذكّرك الحقيقة بأنها لم تعد هنا.
اعتقدت بعد رحيلها أنني سأفتقد التفاصيل الكبيرة والمواقف العظيمة، فإذا بي أفتقد أبسط الأشياء، صوتها الذي أحب القادم من غرفتها، دعواتها الصادقة التي أسمعها قبل أن أخرج أو أغلق سماعة الهاتف، طعامًا اعتادت أن تصنعه لنا، عتابًا كان يضايقنا أحيانًا حتى وإن قلما عاتبت- رحمها الله-، ثم نتمنى بعد الغياب لو عاد، ولو مرة. حتى الأشياء التي لم أكن أنتبه إليها تصبح بعد أصحابها أثمن مما كانت.
وبين حين وآخر، تسألني نفسي السؤال الأهم، هل ماتت حقًا؟ من كنت أعتقد أن قوانين الغياب لا تنطبق عليها؟ ثم أنظر حولي فأعرف الإجابة.
نعم، رحلت، تاركة من الذكريات ما سيصحبني ما حييت، تاركة وراءها تلك الرائحة التي ما زالت بعض أركان المنزل تحتفظ بها، فتختصر المسافة بين زمنين وتعيد في لحظة وجها وصوتا وعمرا كاملا تمنيت لو دفعت عمري ثمنا لعودته.
أقف أحيانا عاجزا أمام ما تفعله الرائحة بالذاكرة، كيف لشيء لا يُرى أن يعيد كل ما غاب؟
أستنشقها، فتعود أمي للحظة ويعود معها كل شيء كما كان، ثم تمضي اللحظة ويبقى عبق الرائحة وذكرياتها.
وللجنة بلا شك رائحة.. تلك رائحة أمي.
** **
- متعب الشهري