من الأفكار التي تستحق الإشادة والدعم أن يتجه التعليم الجامعي في المملكة إلى مرحلة جديدة، لا تكون فيها الجامعات مجرد مؤسسات تمنح الشهادات، وإنما مراكز علمية متخصصة ترتبط بطبيعة كل منطقة واحتياجاتها الاقتصادية والتنموية.
هنا يأتي إبداع وزير التعليم، بتوجيه من القيادة الرشيدة - أيدها الله -، في إعادة النظر في توزيع التخصصات الجامعية، بحيث تستفيد كل منطقة من مقوماتها وميزتها النسبية. فالمملكة واسعة ومتنوعة، ولكل مدينة ومنطقة خصائص وموارد وفرص يمكن أن تتحول إلى تخصصات علمية ومراكز أبحاث تخدم الوطن.
فمكة المكرمة، بحكم مكانتها، يمكن أن تكون مركزًا عالميًا للتخصص في الحج والعمرة وإدارة الحشود والضيافة والخدمات اللوجستية، إلى جانب الصناعات والخدمات المرتبطة بالمشاعر المقدسة ومواسم الحج.
المدينة المنورة يمكن أن تركز جامعاتها على خدمة الزوار والسياحة الدينية والآثار والتاريخ والتراث وإدارة المواقع التاريخية، بما يعزز مكانتها كوجهة عالمية.
أما جامعات المنطقة الشرقية، فمن الطبيعي أن يكون لها حضور قوي في النفط والغاز والطاقة والبتروكيماويات والصناعات المرتبطة بها، مع التوسع في أبحاث الطاقة الجديدة والتقنيات الحديثة.
وفي القصيم، يمكن أن تكون الجامعات أكثر تخصصًا في الزراعة والأمن الغذائي والتقنيات الزراعية الحديثة وإدارة المياه والصناعات الغذائية، مستفيدة من طبيعة المنطقة وتجربتها الزراعية.
لكنني أرى أن الفكرة لا ينبغي أن تتوقف عند تخصيص التخصصات فقط، بل يجب أن تمتد إلى استثمار الإمكانات التي تمتلكها الجامعات نفسها.
فالجامعات لديها أراضٍ واسعة، ومعامل ومختبرات ومراكز أبحاث ومبانٍ وتجهيزات وكفاءات بشرية. وهذه الإمكانات يمكن أن تتحول إلى قيمة اقتصادية حقيقية من خلال إقامة شراكات فاعلة مع القطاع الخاص.
لماذا لا تمنح الجامعات القطاع الخاص فرصة للاستثمار في بعض الأراضي والمنشآت والمعامل، وفق ضوابط واضحة تحفظ ملكية الجامعة وحقوق الدولة، وفي الوقت نفسه تحقق عوائد مالية للجامعات؟
ولماذا لا تدخل الشركات المتخصصة في شراكات مع الجامعات لإنشاء مراكز أبحاث ومختبرات ومصانع تجريبية وحاضنات أعمال، بحيث يصبح الطالب جزءًا من بيئة العمل قبل تخرجه، وتستفيد الشركات من الأبحاث والابتكارات الجامعية؟
إن الشراكة بين الجامعة والحكومة والقطاع الخاص يمكن أن تصنع نموذجًا اقتصاديًا جديدًا، تتحول فيه الجامعة من جهة تعتمد على الميزانية إلى مؤسسة قادرة على تنمية مواردها، ودعم البحث العلمي، وتوفير فرص التدريب والعمل، والمساهمة في اقتصاد المنطقة.
والأهم من ذلك أن الطالب سيجد أمامه تخصصًا مرتبطًا بسوق العمل الحقيقي في منطقته، بدلًا من دراسة تخصص لا يجد له فرصة مناسبة بعد التخرج.
إن توجيه الجامعات لتتخصص وفق مقومات المناطق، مع استثمار أصولها وإمكاناتها بالشراكة مع القطاع الخاص، ليس مجرد تطوير للتعليم؛ بل هو استثمار في الإنسان والمكان والاقتصاد في وقت واحد.
هذه الرؤية، إذا طُبقت بالشكل الصحيح، يمكن أن تجعل كل جامعة سعودية بيت خبرة عالميًا في مجال محدد، وتجعل كل منطقة شريكًا حقيقيًا في صناعة مستقبل المملكة. فالجامعة التي ترتبط باحتياجات منطقتها لا تخرّج الطلاب فقط، بل تصنع التنمية من داخلها.
** **
- محمد السالم