حين تستثمر الدولة مليارات الريالات في جامعاتها، فإنها لا تشتري مباني ومقاعد دراسية، ولا تموّل رواتب ومختبرات وأبحاثًا فحسب؛ إنها تستثمر في الإنسان والمعرفة والاقتصاد والمستقبل. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذا الاستثمار ليس فقط: كم أنفقنا؟ ولا حتى: ماذا أنجزنا؟ وإنما السؤال الأعمق: ماذا عاد على الوطن مقابل ما استثمرناه؟ هذه هي الفكرة التي أظن أن الوقت قد حان لفتح نقاش جاد حولها في سياق رؤية المملكة 2030 وما تحمله من مطالبة متجددة بربط الإنفاق العام بالأثر: العائد على الاستثمار الجامعي.
لا أقصد بالعائد الربح المالي بمعناه التجاري؛ فالجامعة ليست شركة، ورسالتها أوسع بكثير من أن تُختزل في قائمة دخل. لكن كل استثمار عام، مهما تعددت غاياته، ينبغي أن تكون له قيمة يمكن التعرف عليها وقياسها. فقد يكون العائد خريجًا أكثر كفاءة، أو بحثًا نقل المعرفة من الورق إلى الصناعة، أو تقنية تحولت إلى منتج، أو شركة ناشئة خلقت وظائف، أو برنامجًا أسهم في حل مشكلة وطنية، أو موردًا استُخدم بكفاءة أعلى. المهم أن نعرف الصلة بين ما استثمرناه وما نتج عنه.
ولدينا اليوم منظومة واسعة من مؤشرات الأداء في التعليم العالي، طوّرتها جهات عدة من بينها هيئة تقويم التعليم والتدريب ووزارة التعليم، وهي خطوة مهمة في تطوير الإدارة الجامعية. لكن المؤشر في حد ذاته ليس عائدًا؛ فعدد الأبحاث يخبرنا كم بحثًا نشرنا، لا ماذا صنعت هذه الأبحاث. وعدد الشراكات يخبرنا كم اتفاقية وقعنا، لا كم منها تحول إلى مشروع أو استثمار حقيقي. وعدد الخريجين يخبرنا كم طالبًا غادر بوابة الجامعة، لا بما أصبح عليه بعد أن غادرها. وهنا تكمن المسافة بين النشاط والأثر؛ وهي المسافة التي ينبغي أن يقطعها القياس الجامعي في مرحلته المقبلة.
والتجارب الدولية تقدم لنا نماذج تستحق التأمل. ففي المملكة المتحدة طُورت منهجية TRAC، وهي نظام قائم على تكلفة الأنشطة، يهدف إلى معرفة التكلفة الاقتصادية الكاملة والمستدامة للأنشطة الجامعية، بما فيها التكاليف المباشرة وغير المباشرة، وأصبحت جزءًا مستقرًا من إدارة تكلفة التعليم والبحث في قطاع التعليم العالي البريطاني. والدرس هنا ليس أن نستنسخ TRAC، وإنما أن ندرك أن الحديث عن العائد يبدأ قبل ذلك بسؤال أكثر بداهة: هل نعرف أصلًا التكلفة الحقيقية لما نريد قياس عائده؟ فحين نقسم ميزانية الجامعة كاملة على عدد طلابها ونطلق على الناتج «تكلفة الطالب»، قد نحصل على رقم صحيح حسابيًا، لكننا لا نحصل بالضرورة على تكلفة اقتصادية دقيقة؛ فالجامعة منظومة من التعليم والبحث والمرافق والخدمات والمشروعات، ولكل منها تكلفة مختلفة وقيمة مختلفة. ولذلك فإن الخطوة الأولى نحو قياس العائد ليست البحث عن معادلة سحرية، وإنما بناء صورة دقيقة لتكلفة الأنشطة التي تنتج القيمة.
ثم تأتي الخطوة الأهم: قياس القيمة الناتجة، تعليميًا وبحثيًا على حد سواء. فلو تخرّج من جامعتين العدد نفسه من الطلاب، وبالتكلفة نفسها تقريبًا، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن العائد متساوٍ؛ إذ يبقى السؤال: كم من الخريجين وجد عملًا في مجال تخصصه؟ وما القيمة التي أضافها إلى سوق العمل؟ وأستراليا تقدم نموذجًا جديرًا بالنظر؛ فمن خلال منظومة QILT لا تكتفي الحكومة بقياس تجربة الطالب، بل تتابع نتائج الخريجين في سوق العمل ورواتبهم ورضا أصحاب العمل عنهم، ثم تعود لقياس نتائجهم بعد نحو ثلاث سنوات من التخرج. وفي أحدث نتائج المسح الطولي لعام 2025 ارتفعت نسبة التوظيف بدوام كامل للخريجين المحليين الجامعيين من 79.5 % بعد التخرج إلى 91.7 % بعد ثلاث سنوات. والدرس المهم هنا هو أن العائد التعليمي لا ينتهي عند بوابة التخرج؛ فإذا كانت الجامعة تستثمر سنوات وأموالًا في الطالب، فإن جزءًا مهمًا من عائد هذا الاستثمار يظهر في السنوات التي تلي خروجه إلى الحياة العملية. وينطبق المنطق ذاته على البحث العلمي: ليس السؤال كم بحثًا نُشر، وإنما كم بحثًا انتقل إلى تطبيق، وكم تقنية خرجت من المختبر إلى السوق، وكم شركة نشأت من المعرفة الجامعية.
ومن المهم ألا نفهم العائد على الاستثمار الجامعي باعتباره دعوة إلى خفض الإنفاق؛ فهذه مغالطة خطيرة. الجامعة التي تنفق أقل ليست بالضرورة أكثر كفاءة، كما أن الجامعة التي تنفق أكثر ليست بالضرورة أقل كفاءة. قد تنفق جامعة مليار ريال وتنتج قيمة استثنائية، بينما تنفق أخرى نصف ذلك ولا تحقق إلا أثرًا محدودًا. ولذلك فإن المعيار ليس حجم الإنفاق منفردًا، وإنما العلاقة بين الموارد المستخدمة والقيمة المتحققة؛ فالكفاءة ليست أن ندفع أقل، بل أن نحصل على قيمة أكبر من الموارد التي ندفعها.
ومن هنا يمكن أن نبدأ في بناء ما يمكن تسميته مؤشر العائد على الاستثمار الجامعي، لا باعتباره رقمًا واحدًا جامدًا، وإنما مؤشرًا مركبًا يربط بين التكلفة والنتيجة والأثر، ويجمع بين العائد التعليمي، والعائد البحثي والابتكاري، والعائد الاقتصادي، والعائد المجتمعي، وكفاءة استخدام الموارد. غير أن بناء مؤشر مركب كهذا يثير بدوره سؤالًا منهجيًا لا ينبغي القفز عنه: كيف تُرجَّح هذه الأبعاد المتفاوتة الطبيعة بعضها إلى بعض؟ وهل يُعقل أن يُقاس الأثر المجتمعي بالمنطق نفسه الذي يُقاس به العائد الاقتصادي؟ هذا سؤال يستحق نقاشًا منهجيًا مستقلًا، ولا يُفترض أن تُختصر إجابته في هذه السطور؛ لكن الإقرار به منذ البداية أسلم من التغاضي عنه. وفي كل مجال من هذه المجالات يظل السؤال واحدًا: كم استثمرنا؟ وماذا نتج؟ وما الأثر الذي تحقق؟ وبهذا تنتقل الجامعة من سلسلة تقيس «المدخلات والمخرجات» إلى سلسلة أعمق: استثمار، ثم نتيجة، ثم أثر، ثم قيمة.
وهذا الاتجاه ليس غريبًا عن النقاش الدولي حول تمويل التعليم العالي؛ فقد تناولت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقريرها عن الاستدامة المالية للتعليم العالي الصادر عام 2025 مسألة استدامة التمويل، وكفاءة تخصيص الموارد، وربط التمويل بالأهداف والنتائج، وعرضت تجارب دولية تستخدم اتفاقيات أداء وآليات تمويل مرتبطة بالمخرجات بدرجات مختلفة. لكن هذه التجربة تحمل في الوقت نفسه درسًا بالغ الأهمية: حين يصبح المؤشر غاية في ذاته، يمكن أن ينقلب على الغاية التي وُضع من أجلها. ولذلك لا ينبغي أن يكون هدفنا إنتاج مزيد من المؤشرات، وإنما إنتاج مؤشرات تقودنا إلى معرفة القيمة الحقيقية التي صنعتها الموارد.
وربما تكون الخطوة العملية الأولى أبسط مما نتصور: اختيار عدد محدود من الجامعات والبرامج والمشروعات الكبرى، وحساب تكلفتها الفعلية، وتحديد نتائجها المتوقعة، ثم قياس أثرها على مدى زمني مناسب، ومقارنة القيمة المتحققة بحجم الاستثمار. وبعد اختبار النموذج وتطويره يمكن التوسع تدريجيًا؛ فالقياس الجيد لا يولد كاملًا من أول محاولة، بل هو أشبه بالبوصلة، تصبح أكثر دقة كلما اختُبرت في الطريق.
إننا لا نحتاج إلى تحويل جامعاتنا إلى شركات، ولا إلى اختزال رسالتها في المال. على العكس، نحن بحاجة إلى أن نُعرّف العائد تعريفًا يليق برسالة الجامعة: عائد على الإنسان، وعائد على المعرفة، وعائد على الاقتصاد، وعائد على المجتمع، وعائد على الوطن. وعندما يصبح بالإمكان أن نرى بوضوح العلاقة بين الريال المستثمر والنتيجة المتحققة والأثر الذي أحدثته، فإن الميزانية الجامعية لن تعود مجرد أرقام في نهاية السنة، بل ستصبح خريطة للقيمة التي صنعتها الجامعة.
لقد انتقلنا خلال السنوات الماضية من إدارة تقوم على الإنفاق إلى إدارة تهتم بالأداء، وربما آن الأوان للانتقال خطوة أخرى: من قياس الأداء إلى قياس الأثر، ومن قياس الأثر إلى قياس العائد. عندها لن يكون السؤال: كم أنفقنا على الجامعة؟ ولا كم مؤشرًا حققنا؟ بل السؤال الذي يستحق أن يكون في قلب القرار الجامعي: كم قيمة صنعت جامعاتنا مقابل ما استثمرناه فيها؟
فالعائد على الاستثمار الجامعي ليس بحثًا عن الربح، وإنما بحث عن القيمة؛ وليس تشكيكًا فيما تحقق، وإنما محاولة لأن نجعل ما تحقق أكثر وضوحًا، وما لم يتحقق أكثر قابلية للفهم، وما يستحق الاستثمار أكثر قدرة على جذب الموارد.
وربما آن الأوان أن يصبح لكل ريال نستثمره في جامعاتنا سؤالٌ ينتظره: ماذا عاد به على الوطن؟.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري