«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ماذا يحدث حين تغادر الذاكرة الوطنية رفوف الأرشيف لتدخل فضاء المعرفة الرقمية؟ وكيف يمكن للتقنية أن تمنح التاريخ حياة جديدة، لا بمجرد حفظه، وإنما بإتاحته للقراءة والفهم والاكتشاف؟
من هذا السؤال تنطلق تجربة «سعوديبيديا» بوصفها مشروعًا رقميًا لتوثيق تاريخ المملكة وإتاحته للأجيال، عبر محتوى معرفي يعيد تقديم مسيرتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ضمن سياقها التاريخي والحضاري.
استعرضت «سعوديبيديا»، خلال لقاء تفاعلي بعنوان «المنصة الرقمية للموسوعة السعودية.. توثيق الذاكرة الوطنية وصناعة المحتوى المعرفي»، ضمن فعاليات «مؤتمر حوار الأمن والتاريخ» في الرياض، تجربتها في تحويل المادة التاريخية من محفوظات الماضي إلى معرفة رقمية متاحة للقارئ والباحث والجيل الجديد.
قدم اللقاء عبده أحمد حكمي، مدير تحرير منصة «سعوديبيديا»، في مقاربة تتجاوز مفهوم الأرشفة إلى سؤال أوسع: كيف ينتقل التاريخ من الوثيقة المحفوظة إلى المعرفة المتاحة؟ وكيف تتحول الذاكرة من مادة تستعيد الماضي إلى محتوى يساعد على فهمه وإعادة قراءته؟
ولا تتعامل «سعوديبيديا» مع التاريخ بوصفه مجموعة من الأحداث المنفصلة، بل باعتباره نسيجًا تتداخل فيه حكاية الإنسان مع المكان، والتحولات السياسية مع الاقتصادية، والثقافية مع الاجتماعية؛ بما يتيح قراءة التجربة السعودية في سياقها المتصل، لا باعتبارها وقائع متناثرة.
وهنا يتجاوز التوثيق وظيفة حفظ المعلومة إلى حماية سياقها، وإتاحة التحقق منها، وربط عناصرها، وتقديمها بلغة وأدوات تناسب زمن المعرفة الرقمية.
وفي عصر تتعدد فيه مصادر المعلومات وتتفاوت مستويات موثوقيتها، تبرز الحاجة إلى مرجعيات معرفية لا تكتفي بتوفير المعلومة، بل تمنحها سياقها ومصداقيتها وقابليتها للبحث والاسترجاع. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الرقمنة مجرد انتقال تقني من الورق إلى الشاشة، بل تحولًا في الطريقة التي تُصان بها الذاكرة الوطنية وتُتاح للأجيال.
كما تعيد «سعوديبيديا» تقديم الذاكرة الوطنية بوصفها رصيدًا معرفيًا حيًا؛ يستطيع الطالب والباحث والقارئ العام الرجوع إليه لاكتشاف تاريخ المملكة عبر تعدد مساراته، وتحولاته، وشخصياته، وأمكنته، وامتداداته الحضارية.
وبذلك تتجاوز «سعوديبيديا» فكرة الموسوعة الرقمية إلى مشروع أوسع لبناء مرجعية معرفية سعودية في الفضاء الرقمي؛ يلتقي فيها التاريخ بالتقنية، والتوثيق بالبحث، والذاكرة بالحاضر، وتتحول المادة التاريخية من محفوظة في الأرشيف إلى معرفة مفتوحة على أجيال جديدة من القراء.
وقد أقيم اللقاء في «مسرح الأمن والتاريخ» ضمن فعاليات المؤتمر في الرياض، بالشراكة مع «سعوديبيديا» وبرنامج تنمية القدرات البشرية، وبمشاركة جهات وطنية بينها دارة الملك عبدالعزيز والهيئة الملكية لمدينة الرياض.
فإذا كانت الذاكرة تحفظ ما كان، فإن المعرفة تمنحه قابلية الاستمرار؛ ومن هنا تكمن قيمة «سعوديبيديا»: أن تجعل التاريخ السعودي حاضرًا في الوعي الرقمي؛ لا بوصفه ماضيًا محفوظًا، بل معرفة حية قابلة للقراءة والفهم والاكتشاف.