«الجزيرة» - وائل العتيبي:
ماذا يعني أن نكتب التاريخ؟ وهل يكفي أن نعرف ما حدث، أم أن الأهم أن نفهم كيف تشكّلت الدولة والمجتمع والهوية عبر الزمن؟
من هذا السؤال انطلق اللقاء التفاعلي «التاريخ السعودي.. فلسفته وجذوره ومصادره وصيرورته»، الذي قدمه الدكتور علي بن عوض آل قطب، مدير مركز تاريخ منطقة عسير بجامعة الملك خالد، ضمن فعاليات «مؤتمر حوار الأمن والتاريخ» في الرياض.
ووضع اللقاء التاريخ السعودي خارج حدود التسلسل الزمني للأحداث، في فضاء أوسع تتقاطع فيه الوثيقة والرواية والآثار والمكان والذاكرة، بوصفها جميعًا مداخل لفهم تشكّل التجربة السعودية وتحولاتها. فالتاريخ لا يكتفي بتسجيل ما حدث، بل يحاول أن يفسّر كيف تشكّل الحاضر من مسارات الماضي، وكيف انتقلت الدولة والمجتمع والهوية من طور إلى آخر.
ومن هنا تأتي كلمة «صيرورته» في عنوان اللقاء؛ فهي لا تشير إلى التاريخ بوصفه ماضيًا مكتملًا، وإنما إلى مسار تشكّله وتحوله واستمراره عبر الزمن. فالتاريخ، بهذا المعنى، ليس شيئًا جامدًا انقضى، بل سيرورة تتفاعل فيها الأحداث والأفكار والمؤسسات والمجتمعات، وتتراكم نتائجها لتصنع ملامح الحاضر.
وناول اللقاء جذور التاريخ السعودي، وأبرز محطاته وتحولاته، وما تحمله مسيرته من دلالات لفهم تطور الدولة والمجتمع والهوية الوطنية؛ في مقاربة تنقل التاريخ من مجرد استعادة الماضي إلى قراءة شروط تشكّله، وفهم أثره في الحاضر، واستشراف امتداداته في المستقبل.
واكتسبت مشاركة آل قطب دلالتها من تجربته الأكاديمية والبحثية في التاريخ الحديث والمعاصر، ومن ارتباطه بمشروع مركز تاريخ منطقة عسير، الذي ينظر إلى تاريخ المنطقة بوصفه جزءًا من الذاكرة الوطنية، ويعمل على جمع الوثائق والمخطوطات والصور والمصادر المكتوبة، إلى جانب الروايات الشفهية والآثار، ودراستها وتوثيقها وتحليلها.
ومن تاريخ عسير تتسع دائرة السؤال إلى مصادر التاريخ السعودي نفسه: كيف تُقرأ الوثيقة؟ وما قيمة الرواية الشفهية في كتابة التاريخ؟ وكيف يمكن للمصادر المحلية أن تثري الصورة الوطنية، لا بوصفها روايات متفرقة، بل بوصفها طبقات متكاملة من ذاكرة المكان والإنسان؟
فالتاريخ لا تسكنه الوثائق وحدها؛ إذ تحفظ المدن والقرى والعمارة والآثار والصور، كما تحفظ الذاكرة الشفهية، وجوهًا أخرى من الماضي. غير أن الانتقال من الذاكرة إلى المعرفة التاريخية لا يتم بمجرد الحفظ، بل عبر النقد والتحقق والمقارنة، ووضع كل رواية في سياقها.
ولامس اللقاء سؤالًا أعمق من كتابة التاريخ إلى فلسفة كتابته: من يروي الماضي؟ وما الذي يجعل رواية ما مصدرًا تاريخيًا؟ وكيف تتحول الذاكرة المحلية من حكاية متداولة إلى مادة قابلة للتحقق والدرس؟ إنها أسئلة تعيد النظر في العلاقة بين ما نتذكره وما نعرفه، وبين الرواية التي تحفظها الذاكرة والمعرفة التي يصوغها البحث.
وجاء اللقاء بالشراكة مع جامعة الملك خالد، وضمن برنامج «مؤتمر حوار الأمن والتاريخ»، بمشاركة عدد من الجهات الوطنية، بينها دارة الملك عبدالعزيز، والهيئة الملكية لمدينة الرياض، وأكاديمية طويق، وشركة تحكم.وفي خلفية هذا الحوار، تبرز تجربة آل قطب البحثية واهتمامه بالتاريخ السعودي والمصادر المحلية؛ وهي خبرة تجعل سؤال «كيف نكتب تاريخنا؟» في صميم النقاش، لا باعتباره سؤالًا عن الماضي وحده، بل عن الطريقة التي يمكن بها للأجيال الجديدة أن تقرأ جذورها، وتفهم تحولات دولتها ومجتمعها، وتدرك موقعها في مسار تاريخي ممتد.
فحين يصبح التاريخ سؤالًا للمعرفة لا مجرد رواية للماضي، تتحول الوثيقة إلى دليل، والذاكرة إلى مادة للبحث، والماضي إلى معرفة تساعد على فهم الحاضر واستشراف المستقبل.