نعم، خرّبتموها عندما أقنعتمونا أن اللعبة التي فهمها آباؤنا في الحواري، وأحببناها صغارًا من أول ركلة، تحتاج اليوم إلى قاموس حتى نفهمها. خرّبتموها حين جعلتم اللاعب مشروع أرقام، والمدرب فيلسوفًا، والمحلل أستاذًا جامعيًا، والمباراة معادلة رياضية، ثم طلبتم من المشجع بعد كل هزيمة أن يصمت لأن هناك تفاصيل فنية لا يفهمها!
أمس خسر الهلال. وليست هذه القضية. الهلال خسر من قبل وسيخسر لاحقًا، فالهزيمة جزء من كرة القدم، لكن الذي يستحق الغضب أن الهلال كان سيئًا في الوقت الذي ظننا أنه اكتمل. أسماء كبيرة، أجهزة فنية، إعداد، تحليل، قياسات، أرقام، إمكانات، وكل شيء حول الفريق يقول إنه يعيش أقصى درجات الاحتراف، ثم تبدأ المباراة فتبحث عن أبسط شيء في كرة القدم ولا تجده: الروح! وهنا يجب أن نتوقف عن الكذب على أنفسنا.
لقد بالغنا في «عَلْمَنة» كرة القدم حتى قتلنا فطرتها. صرنا نعرف كم ركض اللاعب ولا نسأل: هل ركض عندما كان يجب أن يركض؟ نعرف عدد تمريراته ولا نسأل: هل صنع منها شيئًا؟ نحتفل بنسبة استحواذ فريق لم يعرف ماذا يفعل بالكرة، ونصف لاعبًا بالمتميز لأنه حقق أرقامًا رائعة، مع أن المشجع الذي لا يحمل رخصة تدريب ولا شهادة تحليل رآه بعينه يتمشى في الملعب!
ثم جاءت المصطلحات: ضغط عالٍ، ضغط متوسط، بناء من الخلف، أنصاف المساحات، التحولات، الكثافة، التدرج بالكرة، كسر الخطوط، اللاعب 6، اللاعب 8، اللاعب 10، الـxG، الخرائط الحرارية.. يا جماعة الخير، أين الكرة؟ أين الرجل الذي إذا خسر الكرة شعر أن كرامته الرياضية خُدشت فركض ليستعيدها؟ أين المدافع الذي ينهي المباراة وفانيلته ممزقة؟ أين لاعب الوسط الذي لا يستطيع الكلام بعد صافرة النهاية من شدة ما ركض؟ أين المهاجم الذي يبيت غاضبًا لأنه أهدر فرصة؟ أين الفريق الذي إذا تأخر بهدف تحولت المباراة عنده إلى معركة؟.
هذه ليست رومانسية رياضية قديمة. هذه كرة القدم. فكل علوم العالم لا تصنع لاعبًا لا يحب الفوز. كل أجهزة القياس لا تستطيع قياس الجوع. كل الخرائط الحرارية لا تستطيع قياس حرارة القلب. وكل شهادات التدريب لا تستطيع أن تمنح لاعبًا الشجاعة إذا وقف أمام خصمه خائفًا.
استوردنا علوم كرة القدم، ونسينا أن نستبقي فطرتها. ومنذ أن فتحنا الأبواب على مصاريعها لكل مدرسة أجنبية، ولكل شهادة ورخصة ودورة، أصبح لدينا جيش يعرف كيف يشرح كرة القدم، وقلة تعرف كيف تلعبها. أصبحنا نبحث عن الكرة في أجهزة اللابتوب أكثر مما نبحث عنها في أقدام اللاعبين، وكأن البرازيل أنجبت بيليه من ملف إكسل، وكأن مارادونا احتاج إلى خريطة حرارية ليعرف أين يذهب، وكأن أعظم لحظات كرة القدم بدأت بمحاضرة PowerPoint! إذاً..كفانا شرحًا للهزيمة بدل أن نرفضها. فنحن لا نعاني نقصًا في المحللين، نعاني نقصًا في الذين تزعلهم الخسارة من القلب.
الرياضة في أصلها ليست اقتصادًا، وليست معمل بيانات، وليست عرضا تقديميا مزخرفا. نعم، أصبحت صناعة ضخمة واقتصادًا وعلمًا، وهذا تطور طبيعي ومهم، لكن لحظة أن تبدأ المباراة تسقط كل هذه الأشياء أمام حقيقة بدائية جدًا: هناك خصم أمامك يريد أن يهزمك، فهل تريد أن تهزمه أكثر مما يريد هو أن يهزمك؟ هذه هي الخطة التي لا تُدرّس. وهذه هي الإحصائية التي لا تظهر على الشاشة. وهذا ما افتقدناه في الهلال لفترة.
الهلال الذي عرفناه لم يكن يحتاج دائمًا إلى أن يكون أفضل فنيًا حتى ينتصر. كانت لديه شخصية ترفض أن تنتهي المباراة قبل أن يقول كلمته. كان بإمكانك أن تتفوق عليه سبعين دقيقة، ثم يبدأ شيء لا علاقة له بالأرقام. شيء يعرفه الهلاليون، ويعرفه الخصوم أكثر منهم: الهلال قرر ألا يخسر. هذه الشخصية أخطر من أي تكتيك. ولهذا لا أريد بعد كل خسارة أن يخرج علينا أحد ليشرح أن المشكلة في اللاعب 6، وأن المسافة بين الخطوط كانت 17 مترًا بدل 12، وأن الفريق لم ينجح في خلق الـoverload في نصف المساحة!.
كفى هرجاً ومرجًا
إذا كان أحد عشر لاعبًا لا يركضون، فالمشكلة ليست في نصف المساحة. إذا كان اللاعب يدخل التحامًا وكأنه يعتذر لخصمه، فالمشكلة ليست في البناء من الخلف. إذا كان الفريق متأخرًا والكرة تذهب عرضًا ثم تعود إلى الحارس، فالمشكلة ليست في الاستحواذ. المشكلة أن أحدًا لم يغضب!
أعيدوا لنا اللاعب البسيط الذي يريد الفوز، والمدافع الذي يعتبر منطقته ملكية خاصة، ولاعب الوسط الذي يعود إلى البيت وقد ترك نصف رئتيه في الملعب، والمهاجم الجشع أمام المرمى، والمدرب الذي إذا رأى لاعبه يتخاذل أخرجه حتى لو كانت قيمته السوقية تملأ الشاشة، وأعيدوا لنا المشجع الذي يثق بعينيه ولا يحتاج إلى محلل يقنعه أن ما رآه طوال تسعين دقيقة غير صحيح.
خذوا أرقامكم بعد المباراة وافعلوا بها ما تشاؤون. قيسوا المسافات، واحسبوا التمريرات، وارسموا الخرائط، وحللوا الضغط، وراجعوا البيانات، فكلها أدوات مفيدة حين تعرف مكانها. لكن لا تجعلوها كرة القدم، كرة القدم شيء آخر.
كرة القدم أن تصل الدقيقة 90 وأنت خاسر، فتشعر أن أمامك حياة كاملة في الدقائق الخمس المتبقية. أن تسقط فتنهض، وأن تتعب فتركض، وأن تخسر الكرة فتطاردها، وأن ترى شعار ناديك على صدرك فتفهم وحدك ماذا يجب عليك أن تفعل.
الهلال سيعود، فالأندية الكبيرة تمرض ولا تموت. لكنني أتمنى حين يعود ألا يعود لنا بأرقام أفضل فقط. لكن نريده أن يعود غاضبًا.! ونريد لرياضتنا كلها أن تتذكر شيئًا بسيطًا جدًا ضاع وسط كل هذا الضجيج:
قبل أن تكون كرة القدم علمًا، كانت لعبة. وقبل أن تصبح استثمارًا، كانت عشقًا. وقبل أن يكون للاعب مدرب شخصي ومحلل أداء وخريطة حرارية، كان لديه قلب.
فأعيدوا القلب أولًا.. ثم افتحوا اللابتوب.
** **
- خالد الباتلي