بَعَّدْتُمْ عَنْ العَيْنِ فَاِزْدَادَ حُبُّكُمْ
وَغِبْتُمْ وَأَنْتُمْ فِي الفُؤَادِ حُضُورُ
ما أقسى أن يطرق الموت باب الأحبة، وأن يرحل عن هذه الدنيا من ألفنا حضوره، واعتدنا رؤيته، واستأنست النفس بقربه ومجالسته. وما من شك أن رحيل الصالحين والأخيار من الأقارب والمعارف والأحباب يترك في النفس غصّة، وفي القلب لوعة، وفي الذاكرة فراغًا لا يملؤوه شيء، ولكنها سنة الله في خلقه، وحكمه الذي لا رادّ له، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، وقال الشاعر:
وما الدَّهْرُ إلّا جامِعٌ ومُفَرِّقٌ
وما النّاسُ إلّا راحِلٌ ومُوَدِّعُ
لقد فُجعنا برحيل ابن أخي الشيخ ناصر بن محمد الخريّف، الذي انتقل إلى رحمة الله يوم الخميس 21-3-1448هـ، بعد معاناة استمرت عدة أشهر إثر مضاعفات عملية في القلب -رحمه الله رحمة واسعة- وجعل ما أصابه رفعةً في درجاته وزيادة في حسناته.
وقد أُدّيت الصلاة عليه بعد صلاة عصر يوم الجمعة 22-3-1448هـ في جامع الملك خالد بأم الحمام بمدينة الرياض، ثم حُمل جثمانه الطاهر إلى مسقط رأسه في محافظة حريملاء، حيث ووُرِيَ الثرى في مقبرة «صفية»، بجوار والِدَيْهِ وأخيه عبدالعزيز وجده، والدنا الشيخ الجليل عبدالرحمن بن محمد الخريف -رحمهم الله جميعاً- في مشهد حزن وأسى على رحيله، وشيّعه جمع غفير من أقاربه ومعارفه، في صورة تجسد مكانته وما تركه من محبة في قلوب من عرفوه.
مَضَى نَاصِرٌ عَنَّا وَخَلَّفَ لَوْعَةً
وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا بِهِ الدَّهْرُ فَاجِعُ
ولقد أطل مولوداً في حريملاء عام 1380هـ من أبوين كريمين؛ فوالده أخي الأكبر محمد ووالدته منيرة بنت عبدالله الموسى - رحمهم الله جميعاً - وقد باكره اليتم بفقد والدته، فتولت أخته الكبرى هيا وشقيقتاه سارة ونورة رعاية أخويهما عبدالعزيز وناصر والاهتمام بهما، حتى شبّا واعتمدا على نفسيهما، رحمهم الله جميعاً.
وبعد أن بلغ السابعة من عمره ألحقه والده بالمدرسة الابتدائية في حريملاء، ونال شهادتها نهاية عام 1391هـ، والتحق بالمعهد العلمي بحريملاء حتى تخرج فيه عام 1397هـ، ثم انتقل إلى الرياض وواصل دراسته بكلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود وتخرج منها عام 1401هـ. وفي أثناء هذه المرحلة من حياته اقترن بأم محمد، ابنة العم عبدالله بن محمد الخريّف، فكانت له نعم الزوجة والسند، شاركته مشقة الغربة، وأعانته على مواصلة دراسته، وكانت خير معين له في مسيرته.
وبدأ الفقيد مسيرته التعليمية معلماً للتربية الإسلامية في متوسطة الملك فيصل، وثانوية الإمام الشوكاني، ومتوسطة وثانوية حريملاء. وفي عام 1405هـ تم إيفاده إلى الأكاديمية الإسلامية السعودية في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية لتعليم أبناء الجالية السعودية والعربية، فكان مثالًا في الجد والإخلاص، وسفيراً لوطنه بأخلاقه وسيرته، فمثّله خير تمثيل، واستمر بالعمل هناك حتى عام 1407هـ، ثم عاد للتدريس بالرياض. وفي عام 1409هـ عُين وكيلاً في ثانوية بدر الواقعة بالقرب من حي السويدي وسلطانة، وفي عام 1410هـ تولى إدارة مدرسة الإمام عاصم لتحفيظ القرآن الكريم للمرحلتين الابتدائي والمتوسط بحي أم الحمام حتى عام 1419هـ. ثم عُين مشرفاً تربوياً في الإدارة العامة للتوعية الإسلامية في وزارة التعليم حتى التقاعد المبكر عام 1435هـ حميدة أيامه ولياليه.
ولم تقتصر جهود الشيخ ناصر - رحمه الله - على عمله في ميدان التعليم، فقد امتدت يده إلى ميادين الدعوة والعمل الخيري والاجتماعي، فتولّى الإمامة والخطابة في عدد من مساجد وجوامع مدينة الرياض نحو خمسة عقود، منذ أواخر عام 1399هـ وحتى دخوله المستشفى عام 1447هـ، ومن أبرز محطات تلك المسيرة إمامته مسجد الخريّف بحي المعذر الشمالي التي استمرت من عام 1408هـ إلى عام 1427هـ، ثم جامع السلام بحي الربيع، الذي تولى إمامته وخطابته منذ عام 1431هـ وحتى عام 1447هـ.
وامتدت عنايته بخدمة المجتمع إلى ميادين العمل الخيري والتطوعي، فكان عضواً فاعلاً في جمعية الدعوة والإرشاد وتوعية الجاليات بحي الصحافة، ومن المؤسسين في جمعية أيامى لرعاية الأرامل والمطلقات وفي مؤسسة تكافل الخيرية لمنسوبي وزارة التربية والتعليم، كما كان عضواً في مجلس إدارة أصدقاء المرضى بمحافظة حريملاء، وعضواً في مجلس جائزة حريملاء للتفوق العلمي، وأسهم في صياغة وإعداد النظام الأساسي لصندوق أسرة آل خريّف التعاوني؛ فكان له في كل ميدان أثر وفي كل باب من أبواب الخير نصيب.
كما كان -رحمه الله- من المشاركين بصورة دائمة في برامج التوعية الإسلامية خلال موسم الحج، كما أسهم في أعمال عدد من اللجان والبرامج، فشارك في لجنة مسابقة القرآن الكريم السنوية بوزارة التربية والتعليم، ومسابقة القرآن الكريم بالحرس الوطني على جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله-، وفي لجنة الإعداد لجناح وزارة التربية والتعليم بالجنادرية، وشارك في لجان الإشراف على التعداد السكاني في عدد من دوراته من بداية عام 1413هـ. وخلال هذه المسيرة المباركة ألقى العديد من المحاضرات والندوات والكلمات التوجيهية، فكان ممن جمعوا بين العلم والتعليم والدعوة وخدمة المجتمع.
قَضَيتَ حَياةً مِلؤُها البِرُّ وَالتُقى
فَأَنتَ بِأَجرِ المُتَّقينَ جَديرُ
وكان للشباب في نفس الشيخ ناصر منزلة خاصة؛ فقد كان حريصاً على توعيتهم وتوجيههم، وتنمية مهاراتهم، وتشجيعهم على ممارسة الخطابة ومواجهة الجمهور، وتربيتهم على تحمّل المسؤولية، وغرس حب الوطن والاعتزاز به في نفوسهم، وحثّهم على استثمار أوقاتهم فيما ينفعهم ويعود عليهم وعلى مجتمعهم بالخير والفائدة. وقد نفع الله به كثيراً في مسيرته.
فأغرس من الفعل الجميل فضائلاً
فإذا رحلت فإنها لا ترحلُ
والشيخ ناصر- رحمه الله - أديب وشاعر، وله عدد من القصائد والمشاركات الشعرية في كثير من المناسبات. ومن المواقف التي تُذكر له في هذا الجانب قصيدته الترحيبية الجزلة التي ألقاها بمناسبة تشريف معالي وزير الصحة آنذاك، الدكتور غازي القصيبي، حفل افتتاح مستشفى حريملاء المؤقت بحريملاء بتاريخ 7 شعبان 1403هـ. وكان الحفل مقاماً على الأرض المعدّة لإقامة المستشفى الجديد، الذي تقررت سعته بمئة سرير، فعبّر الشيخ ناصر في قصيدته عن تطلعات الأهالي وآمالهم، وطالب بسرعة اعتماد المستشفى الجديد وإنجازه، فكان لها وقعها في نفوس الحاضرين.
ولم تمضِ سنة حتى تكررت المناسبة، فكان له حضور آخر بقصيدة ألقاها عند تشريف معالي وزير الصحة آنذاك، الدكتور فيصل الحجيلان بتاريخ 4 ربيع الأول 1405هـ، حفل وضع حجر الأساس للمستشفى، وقد نالت قصيدته استحسان الجميع، وأكدت حضوره الأدبي وقدرته على توظيف الشعر في المناسبات التي تهم الناس وتمس حياتهم. كما كانت له مشاركات شعرية في الحفل السنوي الذي تقيمه مدرسة الصالحية لتحفيظ القرآن الكريم بحريملاء، التي أسسها الشيخ محمد بن صالح بن سلطان رحمهم الله.
ولنا معه -رحمه الله- رصيد طويل وجميل من الذكريات، لا تغيب أصداؤها عن خاطرنا مدى العمر. فقد كنا ننتهز فرص الإجازات الأسبوعية والطويلة، فندعو بعض الأصدقاء لزيارتنا في حريملاء، وأحياناً نقوم بجولات في أنحاء وطننا الحبيب، نلتقي خلالها بعض أصدقائنا ومعارفنا من الوجهاء والأعيان والأدباء، وكانت لنا في تلك الرحلات واللقاءات ذكريات ومواقف كثيرة، ما زالت حاضرةً في الذاكرة.
ومن بين تلك الزيارات واللقاءات، أذكر منها زيارتنا لأسرة آل مبارك في الأحساء، التي حافظت على تقاليد المجالس المفتوحة، وما عُرفت به من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وكذلك لقاؤنا بعدد من الزملاء والأصدقاء في الخرج والدلم، ومن الذكريات التي لا أنساها زيارتنا لمحافظة تربة، حيث التقينا بالشيخ مناحي الغرمول البقمي، أحد رجال الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، بحضور ابنه الشيخ فيصل، الذي كان من معارف الشيخ ناصر، وقد غمرنا بكرم الضيافة وحسن الاستقبال. وكانت آخر زياراتنا إلى رفيق دربه بوزارة التعليم الدكتور سعود بن عبدالعزيز العاصم في مجلس أسرة العاصم في ثادق، وكانت أمسية جميلة تخللها تبادل الأحاديث الشيقة.
ولعل من أبرز ما عُرف به أبو محمد صلته لرحمه، وحرصه على اجتماع الأسرة، وتفقده لأحوال أقاربه، ومبادرته إلى التواصل معهم. وكان يحب أن يرى الأسرة مجتمعة، ويأنس باللقاء، ويحرص على ألا تنقطع المودة بين أهلها. وكان له مجلس أسبوعي يفتح فيه بيته للأقارب والجيران والأحباب، فيستقبلهم بالبشاشة والكرم وحسن الضيافة.
حَبِيبٌ إلى الزُّوّارِ غِشْيَانُ بَيْتِهِ
جَمَيلُ المُحَيّا، شَبَّ وهْوَ «كَريمُ»
وكان رحمه الله رقيق القلب، عطوفًا على المساكين والأرامل والضعفاء، يمد لهم يد العون بسخاء، ويسعى في قضاء حوائجهم، ويجد في خدمة المحتاجين وإعانتهم باباً من أبواب البر.
وقد شاء الله أن تتوالى عليه الأحزان في السنوات الأخيرة، ففقد أخته الكبرى هيا، ثم لحق بها شقيقه عبدالعزيز، وقبل أسابيع قليلة لحقت بهم شقيقتهم سارة، رحمهم الله جميعاً. وكان رحيلهم بلا شك عميق الأثر في نفسه، ولسان حاله يردد:
تَتَابَعَ إخوتي ومَضَوا لأمرٍ
تَتابَعَ عليهِ القومُ الكِرامُ
كما كان رحمه الله، مواظباً على زيارتي هو وأنجاله الكرام، ولا سيما يوم الجمعة في منزلنا بمحافظة حريملاء، حيث اجتماعنا الأسبوعي، فكانت تلك اللقاءات من أجمل الذكريات وأقربها إلى النفس، وستظل حاضرة في الذاكرة مهما امتد بنا العمر.
تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره
كباقي ضياء الشّمس حين تغيبُ
ولئن غاب عنا أبو محمد فإن ذكره الحبيب إلى قلبي باقٍ في شعاب النفس مدى الأيام..، تغمده المولى بواسع مغفرته ورحمته، وألهمنا وأبناءه البررة الأوفياء: الدكتور محمد، والدكتور عبدالرحمن، وسائر أبنائه وبناته، وعقيلتيه أم محمد وأم تميم، وأخاه عبدالرحمن، وأختاه نورة وحصة، وأسره الخريّف كافة، ومحبيه جميل الصبر والسلوان. وتالياً هذا البيت:
يا غائباً في الثرى تبلى محاسنه
الله يوليك غفراناً وإحسانا
** **
- عم الفقيد: عبدالعزيز بن عبدالرحمن الخريف