تمهيد:
لم تعد أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي مجرد وسائل تقنية تساعد المتعلم على البحث عن المعلومات أو إنجاز المهام بسرعة؛ بل أصبحت شريكًا قادرًا على اقتراح الأفكار، وصياغة الإجابات، وتحليل المشكلات، وتلخيص النصوص، بل وحتى إنتاج حلول تبدو في كثير من الأحيان أكثر اكتمالًا وإتقانًا مما يستطيع المتعلم إنتاجه بمفرده. وهنا يبرز سؤال مهم هو: «ماذا يحدث عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بمهمة التعلم بدلًا من المتعلم، بدلًا من يكون داعمًا له في تعلمه؟ وبعبارة آخرى، ماذا يحدث لو أصبح الذكاء الاصطناعي يفكر بدلًا من الطالب؟ هذه قضية ترتبط بالعلاقة بين الأداء والتعلم من جهة، وبمفهومي تفويض التفكير والتفريغ المعرفي. فعندما ينجز الطالب مهمة التعلم بصورة أسرع وأفضل باستخدام الذكاء الاصطناعي ويحدث تحسّنًا في الأداء، فهل يعني ذلك تحسنًا في التعلم أيضا؟ تجيب بعض الدراسات (OECD, 2026, Sadki, 2026, Str?mbergy et al., 2026, Chen, X. 2026) كما سنوضح فيما بعد - بالنفي، أي أنه في الوقت الذي يتحسّن فيه أداء المتعلم، لا يحدث تحسنًا مماثلًا في تعلمه، وأن ما يحدث فعلًا هو أن المتعلم في هذه الحاله قد (فوض التفكير للذكاء الاصطناعي) في محاولة منه (للتفريغ المعرفي)، أي التخفيف أو التخلص من الجهد العقلي أو التفكير المرتبط بعملية التعلم.
يناقش هذا المقال العلاقة بين التفريغ المعرفي وتفويض التفكير والفجوة بين الأداء والتعلم في ضوء صعود الذكاء الاصطناعي في مجالات عديدة ومن بينها المجال التعليمي، ويطرح سؤالًا جوهريًا هو: كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لتعزيز التفكير وليس استبداله، وبعبارة آخرى، كيف ينبغي أن يدعم التعلم بدلًا من أن يحلّ محله.
من التفريغ المعرفي إلى تفويض التفكير: شهدت السنوات الآخيرة، استخدامًا متزايدًا للذكاء الاصطناعي التوليدي من قبل المتعلمين في كثير من مهمام التعلم الروتينية المتكررة مثل تلخيص المعلومات، وتنظيم الأفكار، وتوليد الأمثلة، وترجمة النصوص، وغيرها؛ ولكن مقدرة الذكاء الاصطناعي تتجاوز القيام بتلك المهام إلى تنفيذ عمليات أكثر تعقيدًا مثل عمليات التحليل والتقييم وحل المشكلات، وبعبارة آخرى القيام بما يشبه عملية التفكير. ومن هنا، فإن المتعلم قد يلجأ لما يُعرَف بالتفريغ المعرفي Cognitive Offloading)) وهو الاستعانة بأدوات خارجية (مثل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي) للتخلص من العبء أو الحمل المعرفي الزائد (Cognitive Overload) عند محاولة حل مشكلات صعبة أو معقدة مما قد يقلّل من التفكير المُنتج، بل ربما يقوده الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى ما يسمى بتفويض عملية التفكير (Delegating thought) للذكاء الاصطناعي والقيام بعملية التعلم بالنيابة عنه.
الحمل المعرفي الزائد هو كمية أو حجم المعلومات في الذاكرة العاملة (أو الذاكرة قصيرة الأمد (Working or Short Term Memory) عندما تقصر قدرتها عن تحليل المعلومات وفهمها ونقلها إلى الذاكرة طويلة الأمد ( Long Term Memory). يرتبط هذان المفهومان (التفريغ المعرفي والحمل المعرفي الزائد) بنظرية الحمل المعرفي (Cognitive Overload Theory) التي تفترض أن الذاكرة العاملة ذات قدرة أو سعة محدودة، وأن تحميلها بكمية كبيرة من المعلومات أو نشاط معرفي كبيرفي وقت واحد يسببُ جهدًا عقليًا، ويجعل عملية التعلم (فهم واستيعاب المعلومات) أكثر صعوبة وأقل فاعلية. يحدث هذا في مواقف التعلم المختلفة، مما يحدو بالمتعلم إلى اللجوء إلى أدوات لتخفيف أو تفريغ الحمل المعرفي الزائد، فبدلًا من عملية التفكير المرهقة، ومحاولة تذكر المعلومات، يلجأ الفرد إلى استخدام أدوات خارج العقل لتقليل الجهد الذهني المطلوب لأداء مهمة معرفية، مثل: كتابة رقم هاتف بدلًا من حفظه، أو استخدام الآلة الحاسبة بدلًا من إجراء الحساب ذهنيًا، أواستخدام نظام تحديد المواقع (GPS) بدلًا من تكوين خريطة ذهنية للمكان. وفي المقابل، عندما يطلب المتعلم من الذكاء الاصطناعي، تعريف مكونات أومراحل خطة لحل مشكلة معينة، فإنه بذلك يمارس نوعًا من التفريغ المعرفي، أي أن يقوم الذكاء الاصطناعي بالمهمة بدلًا من التفكير بها بنفسه. الفكرة الأساسية هي أن عملية التفكير تنتقل من العمليات العقلية الداخلية إلى مصدر خارجي.
ان زيادة الحمل المعرفي لا تؤثر فقط في قدرة المتعلم على معالجة المعلومات والاحتفاظ بها، بل قد تنعكس سلبًا على رغبته في الانخراط في عملية التفكير والتعلم نفسها. فعندما تتجاوز المهمة قدرة الذاكرة العاملة على تحليل المعلومات وفهمها، يصبح التفكير أكثر جهدًا، مما يحفّز المتعلم إلى البحث عن وسائل تقلل هذا الجهد، سواء من خلال الأدوات الخارجية أو من خلال الاعتماد على مصادر تقدم له المعرفة أو خطوات الحل جاهزة. تتصل فكرة الحمل المعرفي والتفريغ المعرفي بما طرحه البروفيسور دانيال ويلينغهام (Daniel T. Willingham, 2009) في كتابه لماذا لا يحب الطلاب المدرسة؟ (Why Don»t Students Like School?) حول طبيعة التفكير وعلاقته بالمعرفة المخزّنة في الذاكرة طويلة الأمد.
ففي هذا الكتاب، تناول ويلينغهام مشكلة كره الطلاب للمدرسة من منظور معرفي (Cognitive)، من خلال التركيز على طبيعة عمل العقل البشري؛ فهو يرى أن الإنسان لا يستمتع بالتفكير عندما تكون المشكلة المراد حلها صعبة جدًا أو عندما يفتقر إلى المعرفة السابقة التي تساعده على فهم المشكلة، لأن التفكير مجهد ومرهق معرفيًا، ويعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات المخزّنة في الذاكرة طويلة الأمد. لذلك، فإن عدم امتلاك الطالب أساسًا معرفيًا كافيًا قد يجعل الدرس يبدو معقدًا ومملًا، مما يؤدي بالطالب إلى النفور من المدرسة. ولذا، يقترح ويلينغهام البدء ببناء معرفة ومعلومات أساسية لدى الطلاب، ثم تقديم أنشطة ومشكلات تتناسب مع مستوى قدراتهم وتدفعهم إلى التفكير دون إثقال ذاكرتهم العاملة. ومن هذا المنظور، لا يكمن الحل في جعل التعلم أكثر ترفيهًا فقط، بل في تصميم خبرة التعلم بما يتوافق مع الطريقة التي يعمل بها العقل، بحيث يشعر الطالب بالفهم والقدرة على النجاح، مما يزيد دافعيته للاستمرار في التعلم.
وباختصار، يخلص ويلينغهام إلى أن الطلاب لا يكرهون التعلم بطبيعته؛ بل يحتاجون إلى المعرفة التي تساعدهم في حل مشكلات التعلم.
فجوة الأداء - التعلّم:
يمكن لعمليتي التفريغ المعرفي وتفويض التفكير أن يحسنّا الأداء بجعله أسرع وأكثر دقةً، ولكن تكمن المشكلة في نتيجة صادمة، هي أن تحسّن الأداء لا يتزامن معه تحسّنًا في التعلم، وهذا يخلق ما يسمى ب: فجوة الأداء - التعلّم، وهي الفجوة بين التحسّن الظاهري في أداء المتعلم عند استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وبين مقدار التعلم الفعلي الذي يكتسبه ويستطيع استدعاءه وتطبيقه بصورة مستقلة دون الاستعانة بهذه الأدوات؛ هذه هي المفارقة التعليمية (Instructional paradox) للذكاء الاصطناعي، وهي فكرة مهمة جدًا في تقييم أثر الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI) على التعلم؛ لأن ارتفاع درجات الطلاب أو جودة منتجاتهم عند استخدام الذكاء الاصطناعي لا يكفي وحده لإثبات حدوث تعلم حقيقي.
علاقة فجوة الأداء بالكسل ما وراء المعرفي:
ترتبط فكرة فجوة الأداء بمفهوم الكسل أو الخمول ما وراء المعرفي (Metacognitive Laziness)، فعندما يقدم الذكاء الاصطناعي إجابة تبدو صحيحة ومقنعة، يقلّ جهد الطالب في القيام بعمليات التفكير مثل: مدى فهم المتعلم للإجابة، وكيف تم التوصل إليها، ومدى صحة المعلومات وموثوقيتها، ومدى استطاعته حل المشكلة بنفسه، وماذا تعلم من هذه المهمة. وبذلك قد يصبح الأداء أعلى بينما يكون التعلم الفعلي أقل مما يبدو عليه الأداء. لقد أكد مؤتمر آفاق التعليم الرقمي لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD, 2026) أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يحسّنُ الأداء ولكنه يتزامن مع خسائرَ أو فقد في التعلّم، وتراجعٍ في القدرات البشرية، وهو ماعبر عنه غاشيفيتش (Dragan Ga?evi?) بالكسل ما وراء المعرفي. وهذا يتقاطع مع تقرير صادم من معهد ماساتشوستس للتقنية (Massachusetts Institute of Technology, 2026)، الذي بين أن الطلاب الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي، سريعًا ما يلجأون له بمجرد شعورهم بصعوبة ما في تعلمهم، ووصف التقرير هذه الظاهرة بما أسماه « الاستسلام المعرفي» (Cognitive Surrender)، وهذا يعني أنه عندما يختصر الذكاء الاصطناعي الجهد العقلي للطالب، ويوفر له إجابات جاهزة، فإنه يختصر رحلة تعلمه أيضا، وربما يؤدي ذلك إلى التأثير السلبي على ثقته بقدرته على حل مشكلات التعلم.
وفي هذا السياق، قدم غاسيفيتش ويان (2026 (Gasevic الجزيرة Yan في المؤتمر المذكور عرضًا عامًا للأبحاث الناشئة حول التعليم والتعلّم باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، وبينا أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي،، يمكن أن تُضعِف التعلّم أو تعزّزه تبعًا لطريقة استخدامها. وفي بعض الحالات، قد يكون استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي مضلِّلًا؛ إذ يمكنه أن يُحَسّن الجودة الظاهرية لأعمال الطلاب (أي أداءهم في مهام التعلم) دون أن تُحسّن تعلّمهم الفعلي (أي اكتسابهم للمعرفة والمهارات)، وهو تناقض تناولته عدة دراسات.
وقد حاول باحثون في جلسات المؤتمر المذكور جمع أدلة على أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يُحدث في التعليم فجوة متسعة بين ما يستطيع الطلاب إنجازه باستخدام الذكاء الاصطناعي، وبين ما يفهمونه ويستطيعون القيام به من دونه.
وكانت أكثر المساهمات في المؤتمر إثارة للاهتمام كما يشير رضا (Reda, 2026) ليس من برفيسور أو وزير، وإنما من بياتريز موتينيو (Beatriz Moutinho)، وهي شابة من الرأس الأخضر (كابو فيردي)، حيث قالت: « أنا قلقة جدًا من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الشباب في سوق العمل، لكنني أكثر قلقًا من أن يبدأ الشباب، من تلقاء أنفسهم، في استبدال أنفسهم (self-replacement) بالذكاء الاصطناعي قبل أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم في سوق العمل»، وتضيف:» أن الشباب، سيفوضون بشكل استباقي، تشكيل صوتهم المهني إلى الذكاء الاصطناعي، لينتجوا مخرجات متجانسة تجعل من الصعب تمييزهم عن الآلة».
لماذا تحدث فجوة الأداء - التعلم؟ تحدث فجوة الأداء - التعلم، لأن الطالب قد يفوّض بعض العمليات العقلية التي كان ينبغي أن يقوم بها بنفسه مثل: التذكر والتحليل والاستدلال والتقييم وحل المشكلة وصياغة الإجابة إلى الذكاء الاصطناعي، وبالتالي يحصل على إجابة ممتازة دون أن يمر بالضرورة بعملية التفكير التي تؤدي إلى تعلم حقيقي ومستدام. وقد أفاد تقرير المؤتمر المذكور (OECD, 2026)، بأن معدلات استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي بين طلاب المدارس الثانوية والتعليم والتدريب المهني في عدد من الدول تقترب من 80 %؛ كما أشار إلى دراسة حصل فيها الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي التوليدي لأداء واجباتهم المنزلية على صفر من النقاط الإضافية في اختبار لاحق لقياس المعرفة. وأضاف التقرير: «يفترض أنه في النموذج التعليمي التقليدي إذا أدى الطالب واجباته بصورة أفضل، فهذا يعني أنه يمتلك المعرفة والمهارات، ولكن هذا لم يحدث».
لقد قدم غاشيفيتش (Dragan Gasevic)، أقوى الأدلة التجريبية على فجوة الأداء- التعلم. ففي تجربة عشوائية محكمة استمرت قرابة فصل دراسي كامل وشملت طلابًا في الطب، أظهرت النتائج أن الطلاب الذين استخدموا الذكاء الاصطناعي لم يحققوا أداءً أفضل من الذكاء الاصطناعي عندما عملوا بمفردههم دون استخدامه.
أما الطلاب الذين طوروا مهارات الاستدلال السريري لديهم قبل استخدام الذكاء الاصطناعي، فقد كانوا وحدهم القادرين على تحقيق ذكاء هجين (Hybrid intelligence)، أي تآزر حقيقي بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. وعطفًا على ذلك، قال غاشيفيتش: «لا يعني الذكاء الهجين أنك تقوم ببساطة بأتمتة مهمة ما باستخدام الذكاء الاصطناعي، لأنك إذا قمت بأتمتة قدرتك بالكامل، فهذا يعني أنك أصبحت أنت نفسك غير ذي أهمية».
ومن جانبها، أرجعت إنجي مولينار (Inge Molenaar) (من جامعة رادبود الهولندية (Radboud University الآلية التي تقف وراء هذه الظاهرة إلى سلاسة مخرجات الذكاء الاصطناعي التي تعمل على تثبيط الإشارات ما وراء المعرفية التي تحفّز عادةً التقييم النقدي، وقالت في هذا الصدد: «إن الإشارات ما وراء المعرفية التي تقدمها استجابات الذكاء الاصطناعي التوليدي للإنسان، لا تتيح له الانخراط في التقييم النقدي وأنشطة التعلم، أو أنها لا تحفّزه على ذلك. وهذا يزيد من احتمال قبول الطالب للمعلومة والتراجع إلى الوراء». إن تحليل هذه الظاهرة في ضوء نظرية فايجوسكي ((Vygotsky, 1978 المعروفة بمنطقة النمو التقريبي (Zone of Proximal Development) (التي تقترح توفير دعمًا للمتعلم أثناء تنفيذ مهمة التعلم وهي ما يُعرف بالسقالة Scaffolding، وتقليل هذا الدعم شيئًا فشيئًا حتى يتمكن المتعلم من تنفيذها لوحده)؛ يعني انهيار منطقة النمو التقريبي، لأنه غالبًا ما تكون مخرجات الذكاء الاصطناعي أعلى من مقدرة الطالب على استيعابه ومعالجته، ولذا، بدلًا من أن تعمل هذه المخرجات على تدعيم عملية التعلّم، فإنها تحلّ محلها .(Reda,2026).
** **
- د. بدر بن عبدالله الصالح