الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فالموت حق مكتوب، وقدر مقدور، استأثر الله عز وجل بعلم ميقاته، وقضى به على سائر خلقه، فلا مستأثر بالبقاء سواه، ولا خالد في هذه الدار إلا وجهه الكريم؛ قال جل وعلا:
(كُلُّ شَيءٍ هَالكٌ إلَّا وَجهَهُ لَهُ الحُكمُ وَإلَيهِ تُرجَعُونَ) القصص: [88].
إن كل نفسٍ يتردد في الصدور إنما هو خطوة نحو أجلٍ مضروب، وكل صباحٍ يشرق على الأرض إنما هو اقتراب من يومٍ موعود، والموت هو المعبر الحتمي الذي يمر به كل من دب على هذه الأرض، قال سبحانه:
(كُلُّ نَفسٍ ذَآئِقَةُ المَوتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّونَ أُجُورَكُم يَومَ القِيَامَةِ) آل عمران: [185].
الموت سنة الله الخالدة التي لا تتخلف، ومصير الأحياء الذي لا يتبدل؛ طوى العصور، وأفنى القرون، وقد خاطب الله نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الحقيقة، فقال:
(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ) الزمر:[30]، وقال سبحانه:
(وَمَا جَعَلنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبلِكَ الخُلدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الخَالِدُونَ) الأنبياء:[34].
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته
يومًا على آلة حدباء محمول
وقول الآخر:
وإذا حملت إلى القبور جنازةً
فاعلم بأنك بعدها محمول
بعد ظهر هذا اليوم الخميس السادس من شهر ربيع الآخر لعام 1448هـ بلغني نبأ وفاة أخي، ورفيقي، وصاحبي، شقيق القلب، ورفيق الدرب أبي عبد الرزاق: عبد العزيز بن عبد الرزاق القشعمي -رحمه الله وغفر له- ولولا أن تداركني الله برحمته، وعونه ولطفه؛ لانطفأت الروح من هول الخبر، وشدة الفقد.
إن الصديق الصالح، والرفيق الناصح، من أعظم نعم الله على العبد في هذه الدار؛ فإذا رزقك الله جليسًا صالحًا، وصاحبًا ناصحًا، فعض عليه بالنواجذ، فقد منحك الله سندًا في الملمات، ومعينًا على الطاعات، وشفيعًا حين تتقطع الأسباب، وتنقطع الأنساب، وتبطل كل صحبةٍ كانت لغير الله، لتبقى صحبة الصالحين وحدها ثابتةً زاهيةً، تنقلب فيها الأخوة إلى أمانٍ ورحمةٍ؛ كما قال جل جلاله:
(الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) الزخرف [67].
وحينما يرى أهل النار ما أعطي الصالحون من الشفاعة والأنس بإخوانهم، يتباكون حسرةً؛ بقولهم:
(فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ، وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) الشعراء: [100-101].
ولقد كان لي أبو عبد الرزاق -رحمه الله- بمثابة الأخ الذي لم تلده أمي؛ كان يطوف معي في الحل والسفر، ويسعى في أمري كأنه أمره؛ يرتب مواعيدي، ويسجل دروسي، وينسق لقاءاتي، وينشر كلماتي ومقالاتي، محتسبًا للأجر، محبًا للخير، لا يبتغي من ذلك إلا وجه الله تعالى، وأحسبه صادقًا مخلصًا.
وصديقي أبو عبد الرزاق -رحمه الله- شاركني شباب الأيام وشيبها، رافقني بـلطفٍ يسرق القلوب، ولازمني بأدبٍ يبهر العقول؛ فما رأيت منه طيلة عقودٍ ثلاثة، إلا شيم الكرام، وعطر الكلام، والوفاء الذي لا تغيره الأيام ولا تبليه الأعوام.
عرفت أبا عبد الرزاق -رحمه الله- عابدًا متبتلًا، زاهدًا في حطام الدنيا الفانية، ورعًا نبيلًا، قليل الكلام إلا في خيرٍ، حسن العشرة، بشوش الوجه لا تفارقه الابتسامة، لين الجانب، ذا بصيرةٍ ثاقبةٍ، ورأيٍ حكيمٍ، ومشورةٍ سديدةٍ إذا الملمات نزلت والأمور اشتبهت، وإني لأرجو له بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ألا أخبركم بمن يحرم على النار، وبمن تحرم عليه النار؟ على كل قريبٍ هينٍ سهلٍ.) أخرجه الترمذي (2488).
عرفت أبا عبد الرزاق -رحمه الله- مستودعًا للسر، أمينًا عليه، حافظًا للعهد، كتومًا للنجوى؛ ما أفشى لي سرًا، ولا خان لي وديعةً، لازمني بأمانته، وأكرمني بأصالته، وكان على عهدي معه حتى وفاته -رحمه الله- قال صلى الله عليه وسلم: (إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت، فهي أمانة) أخرجه أبو داود (4868) وصححه الألباني.
لا يفشي السر إلا كل معتدٍ والسر عند أولي الألباب في حرز
عرفت أبا عبد الرزاق -رحمه الله- ذكي القلب، طاهر النفس، نقي السريرة، محبًا لله ورسوله، موقرًا للعلماء والأكابر، داعيًا لولاة الأمر بالصلاح والتوفيق، ناصحًا لعامة المسلمين وخاصتهم، ناشرًا للعلم والنفع، حريصًا على جوامع الخير وأبواب المعروف.
وإن مما يسلي القلب، ويكفكف الدمع، تلك السيرة العطرة، والسريرة النقية التي ألفيت صاحبي عليها، وإن من كانت هذه صفاته، وتلك خبيئته، فإن الظن بالله الكريم أن يشمله برحمته، وأن يكون ممن قال الله فيهم:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجعَلُ لَهُمُ الرَّحمَنُ وُدًّا) مريم: [96]. وهذه بشارة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: (أيما مسلمٍ شهد له أربعة بخيرٍ أدخله الله الجنة، قلنا: وثلاثة، قال: وثلاثة، قلت: واثنان، قال: واثنان) أخرجه البخاري (2643).
وأخيرًا.. فإن علاقتي بأخي أبي عبد الرزاق -رحمه الله- والتي امتدت لثلاثة عقودٍ من الزمن، يحال أن أصفها في ورقاتٍ قليلةٍ، وسطورٍ عديدةٍ، وفي الذاكرة منها الكثير، وفي القلب لرفيقي مكنون وفير، لعل الله عز وجل ييسر في قادم الأيام سردها وإبرازها، والكتابة عنها. اللهم ارحم أخي، وصاحبي ورفيق دربي أبا عبد الرزاق، رحمةً واسعةً، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجزه عني خير ما جازيت صاحبًا عن صاحبه، اللهم أدخله الجنة بغير حسابٍ ولا سابقة عذابٍ، واجمعني به في دار كرامتك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
** **
- د. عبد الله بن محمد الطيار