ثمة فرق كبير بين أن تفتح وزارة التعليم بابًا للمستثمر، وأن تجعل المستثمر يعرف، قبل أن يطرق الباب، ما الذي ينتظره خلفه.
هذا الفرق، في ظاهره، قد يبدو تفصيلًا إداريًا صغيرًا، لكنه في قطاع مثل التعليم الجامعي الخاص يمثل الفارق بين منظومة تستقبل طلبات الترخيص، ومنظومة تصنع بيئة استثمارية تعليمية قادرة على استقطاب رأس المال، وتوجيهه، وتقليل مخاطره، ورفع جودة مخرجاته.
فإنشاء جامعة أو كلية خاصة ليس معاملة تبدأ بنموذج وتنتهي بقرار. إنه مشروع طويل الأجل يبدأ بفكرة، ثم يتحول إلى أرض ومبنى وتجهيزات ومختبرات وأعضاء هيئة تدريس وموظفين وبرامج أكاديمية، ثم يدخل في سباق طويل مع السوق والطلبة وسوق العمل والجودة والاعتماد والاستدامة المالية. والمستثمر الذي يضع عشرات أو مئات الملايين في مشروع كهذا لا يحتاج فقط إلى معرفة ما إذا كانت معاملته ستُقبل؛ بل يحتاج، قبل أن يستثمر ريالًا واحدًا، إلى أن يعرف: هل المشروع الذي أفكر فيه قابل للبناء أصلًا؟
هنا تحديدًا يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة في علاقة وزارة التعليم بالتعليم الجامعي الخاص.
لقد اعتدنا النظر إلى الترخيص باعتباره نقطة البداية. لكن ربما حان الوقت لأن نقلب المعادلة: الترخيص ليس بداية رحلة المستثمر؛ بل هو نتيجة لرحلة ينبغي أن تبدأ قبله.
فالمستثمر حين يفكر في إنشاء كلية هندسة، مثلًا، لا ينبغي أن يكتشف متطلبات المختبرات والمساحات وأعضاء هيئة التدريس والتجهيزات والطاقة الاستيعابية بعد أن يكون قد بدأ إجراءات الترخيص، وربما أنفق مبالغ كبيرة على الأرض والتصميم والاستشارات. ولا ينبغي أن يكتشف بعد ذلك أن ثلاثة برامج أكاديمية كان يعتقد أنها متقاربة تحتاج في الواقع إلى بنية تحتية مختلفة، أو أن بعض المختبرات يمكن أن تكون مشتركة بينما يحتاج بعضها الآخر إلى تجهيزات مستقلة.
لماذا لا يعرف ذلك منذ البداية؟
ولماذا لا تكون هناك منصة تقول له، قبل أن يضع أول حجر في المشروع: إذا أردت إنشاء هذه الكلية، وهذه البرامج، وفي هذه المدينة، وبهذه الطاقة الاستيعابية، فهذه هي الصورة الكاملة للمشروع؟
من هنا تبدأ الفكرة الأكثر أهمية: أن تتحول المنصة الحكومية من بوابة لتقديم الطلبات إلى منصة ذكية لتصميم الاستثمار التعليمي.
يدخل المستثمر إليها بفكرته الأولية، لا بملف الترخيص النهائي. يقول: أريد جامعة، أو كلية، أو مجموعة كليات. يحدد التخصصات التي يفكر فيها، والطاقة الاستيعابية، والموقع المقترح. وفي المقابل لا يحصل على قائمة مبهمة من الاشتراطات، بل على صورة متكاملة: ما المساحات المطلوبة؟ ما المختبرات؟ ما التجهيزات؟ كم يحتاج من أعضاء هيئة التدريس؟ ما الكوادر الفنية والإدارية؟ ما المتطلبات المالية؟ وما الوثائق؟ وما الاشتراطات الأكاديمية والتنظيمية؟
ثم يستطيع أن يغيّر تصميم مشروعه ويرى أثر التغيير.
إذا أضاف برنامجًا جديدًا، يعرف ما الذي سيضيفه إلى التكلفة والبنية التحتية والكوادر. وإذا جمع أكثر من برنامج، يعرف ما الذي يمكن مشاركته بينها وما الذي لا يمكن مشاركته. وإذا غيّر الطاقة الاستيعابية، تظهر أمامه انعكاسات ذلك على المباني والموارد البشرية والتجهيزات.
هنا لا تعود التقنية مجرد وسيلة لتسريع المعاملة؛ بل تصبح أداة تساعد المستثمر على اتخاذ قرار استثماري أفضل.
والأهم أن المنصة يمكن أن تقول له شيئًا لا يقل أهمية عن الاشتراطات: ماذا تقول البيئة المحيطة بالمشروع؟
كم جامعة أو كلية تقدم البرنامج نفسه؟ هل يوجد تشبع نسبي في تخصص معين؟ ما البرامج التي تبدو أقل توفرًا؟ ما المؤشرات المتاحة عن احتياجات سوق العمل؟ وما الصورة العامة للمنافسة في المنطقة؟
ليس المطلوب أن تقول الوزارة للمستثمر: استثمر هنا ولا تستثمر هناك. فهذه ليست وظيفتها، والقرار الاستثماري يجب أن يبقى قرار المستثمر. لكن من حق المستثمر أن يجد أمامه المعلومات التي تمكنه من اتخاذ قراره على أساس أفضل.
وهنا تتغير فلسفة التنظيم نفسها.
فالجهة التنظيمية لا تتحول إلى شريك تجاري للمستثمر، لكنها تصبح أكثر من مجرد جهة تفحص ملفه بعد اكتماله. إنها توفر له بيئة معلوماتية وتنظيمية يستطيع أن يبني عليها قراره، وتجعله يدخل إلى السوق وهو يعرف قواعد اللعبة قبل أن يبدأ اللعب.
وهذا تحديدًا هو المكان الذي يمكن أن يظهر فيه الذكاء الاصطناعي بصورة مختلفة عما اعتدنا سماعه.
فالذكاء الاصطناعي في هذا السياق لا ينبغي أن يكون موظفًا إلكترونيًا يقول: «مقبول» أو «مرفوض». هذه مسؤولية لا ينبغي أن تُختزل في خوارزمية. دوره الأكثر قيمة قد يكون في مكان آخر: أن يرى ما لا يستطيع الإنسان رؤيته بالسرعة نفسها.
عندما يرفع المستثمر دراسة جدوى، يستطيع النظام أن يقرأ العلاقة بين حجم الاستثمار والطاقة الاستيعابية، وبين عدد الطلبة والإيرادات المتوقعة، وبين البرامج وتكاليفها، وبين أعضاء هيئة التدريس وتكاليف التشغيل، وأن يلفت نظر المراجع إلى أرقام أو افتراضات تبدو غير منسجمة وتحتاج إلى فحص.
وعندما تُرفع البيانات المالية، يستطيع النظام أن يكشف التناقضات، ويشير إلى مؤشرات السيولة أو الالتزامات أو نقاط تستحق المراجعة.
لكن الآلة لا تصدر الحكم.
الآلة تضيء الطريق، والإنسان يتخذ القرار.
وهذه ربما تكون المعادلة الأكثر اتزانًا في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل التنظيم الحكومي: أن نستخدمه لتقليل العمل المتكرر، وتسريع القراءة الأولية، وكشف التناقضات، وترتيب الأولويات، بينما تبقى المسؤولية المهنية والقانونية لدى المختص والجهة صاحبة الصلاحية.
لكن ماذا عن المستثمر بعد أن يقدم طلبه؟
هنا تبدأ مشكلة أخرى كثيرًا ما تكون أشد إزعاجًا من كثرة المتطلبات نفسها: الغموض.
أين وصل الطلب؟
من يراجعه الآن؟
ماذا بقي؟
هل هناك وثيقة ناقصة؟
هل انتقل الملف إلى جهة أخرى؟
متى يتوقع أن تنتهي المرحلة الحالية؟
في عالم الخدمات الرقمية، لم يعد مقبولًا أن يكون صاحب مشروع استثماري كبير مضطرًا إلى الاتصال والسؤال والبحث عن الشخص الذي يستطيع أن يخبره أين وصلت معاملته.
لماذا لا يرى المستثمر رحلته كاملة أمامه؟
تقديم المستندات. الفحص الأولي. المراجعة المالية والقانونية. دراسة الجدوى. المراجعة الأكاديمية. الحوكمة والامتثال. مراجعة الجهة المختصة. المجلس أو الجهة صاحبة الصلاحية. ثم القرار.
مسار واضح، وحالة واضحة، ومسؤولية واضحة، ومدة متوقعة لكل مرحلة.
وإذا احتاجت الجهة إلى معلومة إضافية، فلا يصل إلى المستثمر إشعار غامض يقول: «يرجى استكمال المتطلبات». بل يعرف تحديدًا ما المطلوب، ولماذا، وكيف يستكمله.
وإذا تأخرت المعاملة، لا يحتاج المستثمر إلى أن يتحول إلى متابع دائم؛ فالنظام نفسه يستطيع أن يعرف أن المرحلة تجاوزت إطارها الزمني، وأن يوجه التنبيه إلى المستوى الإداري المناسب.
هذه ليست مجرد راحة للمستثمر، إنها حوكمة.
فالعملية التي يمكن تتبعها يمكن قياسها، والعملية التي يمكن قياسها يمكن تحسينها، والعملية التي يمكن تحسينها تبني مع الوقت ذاكرة مؤسسية تكشف أين تتكرر الاختناقات، وأين تتأخر المعاملات، وأي المتطلبات تسبب أكبر قدر من إعادة العمل.
وعندها تستطيع الوزارة أن تطور نفسها استنادًا إلى البيانات، لا إلى الانطباعات.
وقد يكون من المفيد أيضًا أن تقدم المنصة خدمات اختيارية مدفوعة قبل مرحلة الترخيص، بأسعار معلنة، لمن يريد اختبار جاهزية مشروعه قبل الدخول في استثمار كبير. خدمة تقول للمستثمر: هذه متطلبات مشروعك، وهذه الفجوات التي تحتاج إلى معالجتها، وهذه الوثائق التي ينبغي إعدادها، وهذه النقاط في دراسة الجدوى التي تستحق المراجعة.
ليس الهدف أن تتحول الوزارة إلى شركة استشارية، ولا أن يصبح الاستثمار مشروطًا بشراء خدمة. الفكرة ببساطة أن يحصل المستثمر، إذا أراد، على خدمة ذكية تقلل تكلفة الخطأ قبل وقوعه.
فالخطأ في مشروع تعليمي ليس كخطأ في متجر يمكن إغلاقه وافتتاح آخر. الأرض ستبقى، والمبنى سيبقى، والمختبرات ستبقى، والعقود ستستمر، والرواتب ستُدفع، والجامعة ستكون مسؤولة عن طلبة ومستقبل أكاديمي كامل.
ولهذا فإن أفضل وقت لاكتشاف ضعف المشروع ليس بعد أن يُبنى المبنى، بل قبل أن يُرسم.
وهنا تتضح الصورة الأكبر.
التعليم الجامعي الخاص ليس مجرد قطاع اقتصادي يبحث عن المستثمر، وليس مجرد قطاع تعليمي يبحث عن المقاعد. إنه نقطة التقاء بين الاستثمار والمعرفة وسوق العمل والتنمية البشرية.
ولهذا فإن نجاح التعليم الخاص لا يقاس بعدد الجامعات التي حصلت على تراخيص، كما لا يقاس بعدد المباني التي شُيدت.
السؤال الأهم هو: هل استطعنا أن نجذب الاستثمار الصحيح إلى المكان الصحيح، والبرنامج المناسب إلى الحاجة الحقيقية، وأن نخلق مؤسسات قادرة على الاستمرار والمنافسة وتقديم تعليم ذي قيمة؟
وهذا يعيدنا إلى السؤال الأول.
ماذا لو لم تكن بداية رحلة المستثمر هي طلب الترخيص؟
ماذا لو كانت البداية منصة تقول له: تعال، صمّم مشروعك أولًا؛ افهم متطلباته؛ اختبر جاهزيته؛ ادرس بيئته؛ عالج نقاط ضعفه؛ ثم عندما تصبح جاهزًا، قدّم طلبك؟
عندها لن تكون وزارة التعليم قد اختصرت الإجراءات فقط.
ستكون قد أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمستثمر.
من علاقة تبدأ بالطلب وتنتهي بالقرار، إلى رحلة تبدأ بالمعلومة وتنتهي بالقرار.
ومن مستثمر يبحث عن شخص يشرح له الطريق، إلى نظام يشرح الطريق للجميع بالطريقة نفسها.
ومن ترخيص يختبر المشروع بعد أن يصبح واقعًا، إلى تنظيم يساعد على بناء مشروع أكثر نضجًا قبل أن يصبح واقعًا.
وربما تكون هذه هي الخطوة التي يحتاجها التعليم الجامعي الخاص اليوم: ألا نسأل فقط كيف نسرّع الترخيص، بل كيف نجعل المستثمر يصل إلى الترخيص وهو أكثر استعدادًا، وأكثر معرفة، وأقل مخاطرة.
ففي نهاية المطاف، ليست قيمة التنظيم في عدد الأبواب التي يفتحها أو يغلقها، وإنما في قدرته على جعل الطريق واضحًا أمام من يمر عبرها.
وحين يصبح الطريق واضحًا، لا يصبح الاستثمار أسهل فحسب؛ يصبح أكثر عقلانية.
وحين يصبح الاستثمار أكثر عقلانية، يصبح التعليم الخاص أكثر قدرة على أن يكون شريكًا حقيقيًا في بناء اقتصاد المعرفة.
وهنا تحديدًا يمكن أن تبدأ القصة الجديدة للتعليم الجامعي الخاص في المملكة: ليس من مكتب الترخيص، وإنما من اللحظة التي يفكر فيها المستثمر لأول مرة أن يبني جامعة.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري
dr.khalid.s.almutairi@gmail.com