لم تولد الجامعة من رحم الثورة الصناعية، بل سبقتها بقرون طويلة. كانت الآلة لم تنفث بخارها بعد، والكهرباء لم تُضئ مدينة، والحاسوب لم يكن حتى خيالًا بعيدًا، حين أخذت الجامعات الأولى تتشكل في العصور الوسطى. كانت المعرفة يومها نادرة؛ تسافر في مخطوط، وتسكن رفًا، ويحملها عالم من مدينة إلى أخرى، وكان الوصول إليها امتيازًا لا يتاح إلا لقلة. لذلك لم تكن الجامعة مجرد مكان للتعليم، بل كانت أشبه بميناء ترسو فيه سفن المعرفة القادمة من أزمنة وأمكنة بعيدة؛ يأتي إليها الطالب لأن المعرفة موجودة هناك، ويجلس أمام الأستاذ لأنه أحد حَمَلتها، ويمضي سنوات من عمره في طلبها لأن الطريق إليها كان طويلًا وشاقًا.
ثم بدأ العالم يتغير. جاءت الثورة الصناعية الأولى بالبخار والميكنة، فتحولت العضلات البشرية من مصدر رئيس للقوة إلى شريك للآلة، وانتقلت المجتمعات تدريجيًا من الحرفة الفردية إلى المصنع، ومن الريف إلى المدينة، وظهرت احتياجات جديدة للقراءة والحساب والمعرفة العلمية والتنظيم والانضباط. لم تُنشئ الثورة الصناعية الأولى الجامعة، لكنها غيرت العالم الذي كان على الجامعة أن تُعِد الإنسان للعيش فيه. ثم جاءت الثورة الصناعية الثانية بالكهرباء والإنتاج واسع النطاق والمصانع الكبرى والمؤسسات الحديثة، وتعقد المجتمع، واتسعت المدن، وتكاثرت المهن، وأصبح الاقتصاد يحتاج إلى أعداد متزايدة من المهندسين والأطباء والمعلمين والمحاسبين والإداريين والمتخصصين. وهنا ترسخت واحدة من أنجح المعادلات التعليمية في التاريخ الحديث: تخصص، ثم سنوات من الدراسة، ثم شهادة، ثم مهنة. كان الإنسان يدخل الجامعة شابًا، فيتلقى حزمة معرفية متخصصة، ويحمل شهادته إلى سوق العمل، ويعيش بما تعلمه سنوات طويلة، وكانت الشهادة أشبه بجواز سفر معرفي طويل الصلاحية؛ تخبر المجتمع أن حاملها امتلك قدرًا من المعرفة يؤهله لممارسة مهنة محددة.
ثم جاءت الثورة الصناعية الثالثة. دخل الحاسوب إلى المكتب والمصنع والمختبر، ثم جاء الإنترنت، وبدأ احتكار المكان للمعرفة يتصدع. تحولت الفهارس إلى قواعد بيانات، والموسوعات إلى محركات بحث، والمكتبات إلى فضاءات مادية ورقمية، وأصبح طالب يجلس في غرفة صغيرة قادرًا خلال ثوانٍ على الوصول إلى معرفة كان الباحث قبل عقود يقطع من أجلها المدن والقارات. تغير وعاء المعرفة، وتغيرت سرعتها، وتضاعف حجمها، لكن المفارقة أن أدوات الجامعة تغيرت أسرع من فلسفتها. استبدلنا السبورة بالشاشة، والورقة بالمنصة، والكتاب أحيانًا بالملف الرقمي، ووضعنا المحاضرة على الإنترنت، لكن المسار الأساسي بقي مألوفًا: طالب يدخل، وتخصص يختار، ومقررات يجتاز، واختبارات يؤدي، وشهادة يحمل، ثم يغادر. لقد رقمنّا الجامعة أكثر مما أعدنا التفكير فيها؛ غيّرنا أدوات التعليم، لكننا لم نغيّر بالقدر نفسه فلسفته.
ثم جاءت الثورة الصناعية الرابعة، وهنا لم تتغير الأدوات وحدها، بل بدأ السؤال نفسه يتغير. فالآلة التي ضاعفت في الثورة الأولى قوة عضلات الإنسان، وضاعفت في الثانية قدرته على الإنتاج، ووسعت في الثالثة قدرته على تخزين المعلومات ومعالجتها، بدأت في الرابعة تطرق بابًا ظل طويلًا من أكثر الأبواب التصاقًا بالإنسان: المعرفة نفسها. فالذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي والبيانات الضخمة والروبوتات وإنترنت الأشياء والأنظمة السيبرانية الفيزيائية لم تعد تعيد تشكيل المصنع وحده، وإنما أخذت تعيد تشكيل العمل المعرفي ذاته. وفي كتاب Higher Education in the Era of the Fourth Industrial Revolution، الذي حررته نانسي غليسون، يظهر هذا التحول بوصفه انتقالًا لا تقف فيه الأتمتة عند العمل اليدوي، بل تمتد إلى المعرفة وإنتاجها ومعالجتها، وهو تحول يضع التعليم العالي أمام سؤال يتجاوز استخدام التقنية إلى إعادة التفكير في وظيفته ذاتها.
وهنا ربما ينبغي أن نتوقف قليلًا؛ لأن السؤال لم يعد: كيف نستخدم التقنية في التعليم؟ بل أصبح أكثر عمقًا: ماذا نعلّم الإنسان حين أصبحت الآلة نفسها تتعلم؟ ماذا يبقى من وظيفة المؤسسة التعليمية عندما يستطيع الطالب أن يحمل في هاتفه أداة تقرأ آلاف الصفحات، وتلخصها، وتقارن بينها، وتكتب وتترجم وتحلل وتبرمج وتقترح الحلول في وقت كان يحتاج فيه الإنسان سابقًا إلى أيام أو أسابيع لإنجاز جزء منه؟ إن إضافة مقرر في الذكاء الاصطناعي إلى الخطة الدراسية لا تجيب عن هذا السؤال، وشراء أجهزة أكثر لا يجيب عنه، وتحويل المقرر الورقي إلى منصة إلكترونية لا يجيب عنه؛ لأننا أمام تحول يمس فلسفة التعليم لا أدواته فقط.
والأرقام تجعل السؤال أكثر إلحاحًا؛ فتقرير Future of Jobs 2025 للمنتدى الاقتصادي العالمي، المبني على آراء أكثر من ألف جهة توظيف تمثل أكثر من 14 مليون عامل في 55 اقتصادًا، يشير إلى أن أصحاب العمل يتوقعون تغير نحو 39 % من المهارات الأساسية للعاملين بحلول عام 2030، وأن 59 من كل مئة عامل سيحتاجون إلى شكل من أشكال التدريب أو إعادة التأهيل خلال الفترة نفسها. وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: نمنح الإنسان شهادة قد يحملها أربعين عامًا، في عالم قد تتغير فيه نسبة كبيرة من المهارات المطلوبة خلال خمس سنوات.
فكيف يمكن لنموذج تعليمي بُني على فكرة «تعلّم الآن لتعمل لاحقًا» أن يستمر في عالم أصبحت فيه المعرفة والمهارة والمهنة نفسها تتحرك أثناء حياة الإنسان؟ وربما يكون هذا هو الموضع الذي ينبغي أن نعيد فيه تعريف الجامعة، لا أن نعيد تجهيز قاعاتها فقط. لماذا نظل ننظر إليها باعتبارها مرحلة عمرية تبدأ في الثامنة عشرة وتنتهي في الثانية والعشرين؟ ولماذا تنتهي علاقة الإنسان بجامعته في اليوم الذي يصبح فيه أحوج ما يكون إلى مواصلة التعلم؟ ولماذا يكون حفل التخرج احتفالًا بانتهاء العلاقة المعرفية، بدل أن يكون إعلانًا عن انتقالها إلى مرحلة أخرى؟
من هنا تلوح ملامح ما يمكن أن نسميه «الجامعة المستمرة»؛ جامعة لا تمنح الإنسان تعليمه دفعة واحدة في أول شبابه ثم تودعه عند بوابة التخرج، وإنما ترافق تطوره المعرفي والمهني طوال حياته. عندها تتغير المعادلة القديمة من «تعلّم، ثم تخرج، ثم اعمل» إلى معادلة أكثر انسجامًا مع العصر: تعلّم، ثم اعمل، ثم عُد فتعلّم، وحدّث معرفتك، وأعد بناء مهاراتك، ثم تعلم من جديد. يتخرج المهندس بأساس علمي عميق، لكنه لا يودع جامعته؛ يعود إليها بعد سنوات ليتعلم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تخصصه، ثم يعود عندما تظهر تقنيات جديدة في الطاقة أو المواد أو التصنيع، وقد يعود بعد عقد ليتعلم شيئًا لم يكن له اسم أصلًا عندما كان طالبًا. وكذلك الطبيب والمعلم والمحاسب والمحامي والإداري. وبذلك تصبح العلاقة مع الجامعة أربعين عامًا بدل أربع سنوات، ولا تعود الشهادة الجامعية نهاية المسار، بل تصبح قاعدته الأولى.
وهنا يبرز سؤال آخر: لماذا يكون أهم وصف معرفي لإنسان في الخامسة والأربعين من عمره شهادة حصل عليها عندما كان في الثانية والعشرين؟ الإنسان يتغير، ومعرفته تتغير، وخبرته تتراكم، والتقنية من حوله تتغير، بينما تظل وثيقته الأكاديمية ثابتة كما خرجت من المطبعة قبل عشرين عامًا. ولعلنا نحتاج إلى أن نضع إلى جانب الشهادة التقليدية «سجلًا معرفيًا حيًا» يبدأ بالبكالوريوس لكنه لا ينتهي به؛ تضاف إليه على امتداد الحياة شهادات مصغرة، وتخصصات دقيقة، ومشروعات، ومهارات جديدة، وخبرات موثقة، وبرامج إعادة تأهيل وتطوير مهني. عندها تصبح شهادة البكالوريوس جذرًا لا الشجرة كلها، ويصبح ملف الإنسان المعرفي صورة متحركة لمسيرته، لا صورة جامدة التقطت له يوم التخرج.
لكن الجامعة المستمرة لا ينبغي أن تتحول إلى مركز تدريب يطارد كل تقنية جديدة تظهر في السوق؛ لأن الجامعة إن فعلت ذلك ستجري خلف التقنية، وستصل دائمًا متأخرة. وإذا جعلنا التعليم كله تابعًا للمهارة المطلوبة اليوم، فقد نُخرّج إنسانًا ممتازًا لسوق اليوم لكنه عاجز أمام سوق الغد. فالتقنيات تتغير، والبرمجيات تتغير، والمهن تتغير، وبعض المهارات التي نحتفي بها اليوم قد تصبح بعد سنوات جزءًا من وظيفة تؤديها الآلة. لذلك ينبغي أن يكون المنهج المقبل أشبه بشجرة لها جذور ثابتة وأغصان متحركة؛ جذورها العلوم الأساسية والرياضيات وعمق التخصص والمنهج العلمي والقدرة على التفكير والتحليل والاستدلال، وأغصانها الأدوات والتطبيقات والتقنيات والمهارات المتغيرة. فلا نقتلع الجذور بحجة المستقبل، ولا نجمّد الأغصان بحجة الأصالة.
وعندها ينتقل السؤال التعليمي من «ماذا يعرف الطالب؟» إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرف؟ هل يستطيع تحليل المعلومة؟ هل يستطيع التحقق منها؟ هل يعرف متى يشك فيها؟ هل يستطيع ربطها بمعرفة أخرى؟ وهل يستطيع أن يحولها إلى قرار أو ابتكار أو حل لمشكلة لم يرها من قبل؟
وهنا تظهر واحدة من أجمل مفارقات عصر الذكاء الاصطناعي: كلما أصبحت الآلة أكثر قدرة، ازدادت قيمة ما يجعل الإنسان إنسانًا. فالمستقبل لن يحتاج إلى إنسان يحاول أن يهزم الآلة في سرعة استرجاع المعلومات؛ فتلك معركة اختار لها الميدان الخطأ. ولن تكون قيمة الطبيب في حفظ آلاف الصفحات التي تستطيع الآلة استدعاءها في لحظات، ولا قيمة المهندس في إجراء عملية حسابية تستطيع الخوارزمية تنفيذها أسرع منه، ولا قيمة الأستاذ في تكرار معلومات يستطيع الطالب الوصول إليها قبل أن يصل إلى قاعة المحاضرة. ستنتقل القيمة أكثر إلى السؤال والحكم والنقد والإبداع والأخلاق والخيال والتواصل وفهم السياق وتحمل مسؤولية القرار. فالآلة قد تقترح، لكن الإنسان يقرر لماذا؛ وقد تنتج إجابة، لكن الإنسان ينبغي أن يعرف متى لا يثق بها؛ وقد تجد حلًا ممكنًا، لكن الإنسان هو الذي يجب أن يسأل: هل هذا الحل صحيح؟ وهل هو عادل؟ وهل ينبغي أصلًا أن نفعله؟
ومن هنا لا ينبغي أن تكون العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي معركة يبحث فيها كل طرف عن إقصاء الآخر، بل شراكة يعاد فيها توزيع الأدوار. لا ينبغي أن يكون السؤال في كلية الهندسة: هل نسمح للطالب باستخدام الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نصنع مهندسًا يستطيع مع الذكاء الاصطناعي أن يحل مشكلة لم يكن أي منهما قادرًا على حلها منفردًا؟ وينطبق السؤال نفسه على الطبيب والمعلم والباحث والمحامي والإداري.
ولعل التاريخ يمنحنا هنا خلاصة الرحلة كلها: حين كانت المعرفة نادرة، كان على الإنسان أن يذهب إليها؛ وحين انتشر الكتاب، أصبح عليه أن يقرأها؛ وحين جاء الإنترنت، أصبح عليه أن يبحث عنها؛ أما اليوم، وقد أصبحت الآلة نفسها قادرة على البحث والقراءة والتحليل، فإن التحدي ينتقل إلى مستوى آخر: أن يعرف الإنسان ماذا يسأل، ولماذا يسأل، وماذا يفعل بالإجابة.
لقد كانت الجامعة يومًا مكانًا نحفظ فيه المعرفة لأنها نادرة، ثم أصبحت مكانًا ننظم فيه المعرفة لأنها اتسعت، ثم أصبحت مكانًا نتخصص فيه لأن الاقتصاد احتاج إلى المتخصصين. أما اليوم، حين أصبحت المعرفة تتدفق بلا توقف، وأصبحت الآلة نفسها قادرة على معالجتها والمشاركة في إنتاجها، فإن القيمة الكبرى للجامعة قد تصبح في شيء آخر: أن تصنع إنسانًا لا تنتهي قدرته على التعلم؛ إنسانًا يتخرج، لكن تعليمه لا يتخرج معه، ويحمل شهادة لكنه لا يسمح لها أن تصبح آخر صفحة في كتاب معرفته، ولا يخشى أن تتغير أدواته لأنه تعلم كيف يعيد بناء نفسه كلما تغير العالم.
ربما لم تفقد الجامعة دورها، وإنما انتهى الزمن الذي كان فيه دورها واضحًا بذاته. وحين تخرج المعرفة من الأسوار، وتتعلم الآلة، وتتغير المهنة أسرع من الشهادة، لا يعود السؤال كيف نحافظ على الجامعة كما عرفناها، بل كيف نساعدها على أن تعيد اكتشاف نفسها. وربما تبدأ الإجابة من فكرة بسيطة: أن الجامعة القادمة ليست مكانًا نذهب إليه مرة في العمر لنحصل على المعرفة، بل رفيقًا معرفيًا نعود إليه كلما تغير العالم، وكلما احتجنا نحن أيضًا أن نعيد اكتشاف أنفسنا.
لقد أمضينا قرونًا نسأل: ماذا يجب أن نعلّم الطالب قبل أن يتخرج؟
وربما آن الأوان أن نطرح سؤالًا آخر:
كيف نبني جامعة لا يتخرج الإنسان منها أبدًا؟
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري