لنبدأ بسؤال قد يبدو صادمًا للوهلة الأولى: لماذا يجب على الدولة أن تشغّل كل جامعة تملكها؟
السؤال لا يقول: لماذا لا نبيع الجامعات؟ ولا يقول: لماذا لا يدفع الطالب تكلفة تعليمه؟ بل يسأل عن افتراض استقر طويلًا حتى بدا حقيقة لا تُناقش: ما دامت الجامعة حكومية، فلا بد أن تموّلها الدولة، وتشغّلها، وتصرف رواتبها، وتتحمل تكاليفها عامًا بعد عام.
لكن الملكية الحكومية لا تعني بالضرورة التشغيل الحكومي الكامل، فالدولة تملك أصولًا ومرافق عامة كثيرة دون أن يعني ذلك أن تتولى بنفسها جميع تفاصيل تشغيلها. فلماذا نفترض أن ملكية الدولة للجامعة تستلزم بالضرورة أن تكون هي المشغّل والمموّل في الوقت نفسه؟
ربما لأننا خلطنا، لسنوات طويلة، بين مسؤولية الدولة عن التعليم وضرورة أن تكون هي المشغّل للتعليم. وهما أمران مختلفان تمامًا.
مسؤولية الدولة أن تضمن حق المواطن في تعليم جامعي جيد، وتحمي جودة الشهادة، وتوفر التخصصات التي يحتاجها الوطن، وتدعم البحث والمعرفة، وتمنع تحوّل القدرة المالية للأسرة إلى شرط للحصول على الفرصة التعليمية. لكن هل يستلزم ذلك أن تدفع الدولة فاتورة التشغيل والصيانة والموظفين في كل جامعة، وفي كل عام، وإلى ما لا نهاية؟
من تمويل المؤسسة إلى شراء الأثر
ماذا لو احتفظت الدولة بعدد من الجامعات الوطنية الكبرى تحت إدارتها وتمويلها المباشر، بوصفها أصولًا إستراتيجية للبحث والمعرفة والسيادة التقنية، ثم أعادت تصميم نموذج تشغيل جامعات أخرى عبر شراكات استثمارية طويلة الأجل مع القطاع الخاص؟
هذا ليس بيعًا للجامعات، ولا انسحابًا من التعليم، ولا خصخصة تقليدية تنقل الملكية.
الأرض لا تُباع، والمباني لا تُباع، والأصول لا تُباع، والجامعة لا تخرج من ملكية الدولة.
لكن المستثمر يحصل على حق تشغيل هذا الأصل واستثماره وتطويره لعشرين أو ثلاثين عامًا، وفق شروط الدولة ومعاييرها ورقابتها.
والسؤال الأجمل هنا: ماذا تأخذ الدولة في المقابل؟
ليس بالضرورة إيجارًا أو نسبة من الأرباح النقدية.
ماذا لو أخذت الدولة حصتها تعليمًا لمواطنيها؟
لنفترض أن لدينا جامعة تستوعب عشرين ألف طالب، وانتقل تشغيلها لمدة ثلاثين عامًا إلى تحالف استثماري يتحمل التكاليف والمخاطر المتفق عليها، ويستثمر في تطوير الجامعة، مقابل أن يقدم للدولة أربعة آلاف مقعد مجاني كل عام.
عندها تتغير المعادلة.
فبدل أن تموّل الدولة تشغيل الجامعة بأكملها، تصبح الأصول التي بنتها عبر عقود جزءًا من المقابل الذي تحصل من خلاله على تعليم مواطنيها. وتتحول الجامعة من بند ينتظر مخصصاته السنوية فقط إلى أصل عام قادر على تمويل جزء من رسالته بنفسه.
بل لماذا يكون عدد المقاعد رقمًا تحدده الدولة مسبقًا؟
يمكن أن يصبح أحد عناصر المنافسة على عقد التشغيل نفسه. تحدد الدولة الحد الأدنى للجودة والالتزامات الأكاديمية، ثم تسأل المتنافسين: كم طالبًا تستطيع أن تعلّم للدولة مجانًا كل عام مقابل حق تشغيل هذه الجامعة؟
يقدم أحدهم ثلاثة آلاف مقعد، وآخر أربعة آلاف، وثالث خمسة آلاف.
ولا يفوز صاحب الرقم الأعلى تلقائيًا، بل صاحب أفضل عرض يجمع بين عدد المقاعد وجودتها، وحجم الاستثمار، والمحافظة على الأصول، وجودة البرامج، والبحث العلمي، وتوظيف الخريجين، والاستدامة المالية.
ومع ذلك، فالمقعد المجاني وحده ليس أثرًا.
الدولة لا تريد مقعدًا يشغله طالب أربع سنوات ثم يخرج دون تعليم حقيقي أو فرصة في سوق العمل، ولذلك يمكن أن ينتقل العقد نفسه من شراء المدخلات إلى شراء النتائج: مقاعد مجانية، ونسب إكمال وتخرج، وجودة مخرجات، وتوظيف خريجين، وبحث علمي، وتخصصات ذات أولوية وطنية.
وهنا يصبح معنى «شراء الأثر» حقيقيًا، لا مجرد شعار.
ويمكن أن نذهب أبعد من ذلك، فبدل أن تأخذ الدولة كامل عائدها نقدًا، يمكن تحويل جزء منه إلى منح للدراسات العليا، وتمويل أبحاث وطنية، وتخصصات يحتاجها الوطن حتى إن كانت عوائدها التجارية محدودة، وبرامج لتطوير أعضاء هيئة التدريس.
عندها يصبح العائد الحكومي من الجامعة رأس مال بشريًا ومعرفيًا، لا مجرد مبلغ يدخل الخزانة.
ولكن... لماذا سيدخل المستثمر أصلًا؟
هذا سؤال لا ينبغي الهروب منه.
فالقطاع الخاص لن يدخل الجامعة بدافع خيري، ولا يمكن بناء نموذج مستدام على مطالبة المستثمر بأن ينفق ويطور ويعلّم آلاف الطلاب مجانًا ثم ننتظر منه أن يحقق عائدًا بطريقة ما.
لذلك تبدأ صلاحية النموذج من اقتصاديات كل جامعة على حدة.
ما قيمة أصولها؟ وما حجم الطلب على برامجها؟ وما قدرتها على استحداث برامج مهنية وتنفيذية وتعليم مستمر؟ وما الفرص المتاحة لاستثمار مرافقها؟ وما قدرتها على بناء شراكات بحثية وصناعية، واستقطاب الطلاب، وتطوير مصادر دخل جديدة، وتحويل بعض المعرفة التي تنتجها إلى قيمة اقتصادية؟
ومن هنا لن يصلح النموذج لكل جامعة.
وقد تكون هناك جامعة لا تستطيع اقتصادياتها أن تقدم للمستثمر عائدًا معقولًا إلا بدعم حكومي، بينما توجد جامعة أخرى تمتلك موقعًا وأصولًا وبرامج وطلبًا قادرًا على إنتاج نموذج اقتصادي مختلف تمامًا.
ولهذا فإن عدد المقاعد المجانية لا ينبغي أن يكون رقمًا سياسيًا يفرض بمعزل عن الواقع، وإنما نتيجة لنموذج مالي دقيق يوازن بين عائد المستثمر والقيمة التي تحصل عليها الدولة.
فإذا لم يستطع النموذج تحقيق هذه المعادلة، فلا ينبغي تطبيقه لمجرد أن كلمة «التخصيص» تبدو جذابة.
الخطر الأكبر: هل تتحول الجامعة إلى شركة؟
هذا أخطر سؤال في الفكرة كلها.
إذا دخل المستثمر، فهل يصبح الطالب عميلًا؟ والأستاذ تكلفة؟ والتخصص منتجًا؟ والبحث العلمي مشروعًا لا يستحق البقاء إلا إذا حقق عائدًا؟
هذه ليست مخاوف نظرية، بل تقع في قلب النقاش العالمي حول تسليع التعليم العالي.
فإذا تُرك الأمر كليًا لمنطق السوق، فمن الطبيعي أن يميل المستثمر إلى البرامج الأعلى طلبًا وربحية، وأن يتردد في تمويل تخصصات أو أبحاث يحتاجها المجتمع ولكنها لا تحقق عائدًا ماليًا مباشرًا.
ولذلك فإن نجاح النموذج لا يكون بتسليم الجامعة للسوق، بل بتصميم سوق لا يستطيع ابتلاعها.
القطاع الخاص يشغّل، لكنه لا يقرر وحده ماذا تعني الجامعة.
الدولة هي التي تضع الحدود بأدوات تعاقدية ملموسة: حد أدنى لأعضاء هيئة التدريس المتفرغين، ومتطلبات صارمة للاعتماد والجودة، ومستويات مستهدفة لتوظيف الخريجين، وإنفاق إلزامي على البحث والمختبرات، وتخصصات إستراتيجية لا يجوز إلغاؤها لمجرد ضعف عائدها التجاري، ومؤشرات واضحة لتجربة الطالب وجودة التعلم.
ثم يُربط استمرار عقد المشغّل بتحقيق هذه النتائج فعليًا، لا بحسن النية.
هنا تخرج الدولة تدريجيًا من تفاصيل التشغيل، لكنها تصبح أقوى حضورًا في الحوكمة والرقابة وقياس النتائج، لا أضعف.
من «كم تحتاجون؟» إلى «ماذا ستقدمون؟»
وهنا نصل إلى السؤال الأصعب:
هل نقيس نجاح الجامعة بحجم ميزانيتها، أم بما تصنعه بهذه الميزانية؟
جامعة تحصل على مليار ريال سنويًا ليست بالضرورة أفضل من جامعة تحقق نتائج مماثلة بموارد أقل. وزيادة الإنفاق ليست إنجازًا في ذاتها، كما أن خفضه ليس إنجازًا في ذاته.
القيمة الحقيقية هي ما يحدث بين الريال الذي يدخل الجامعة والإنسان الذي يخرج منها.
ماذا تعلم؟ ماذا يستطيع أن يفعل؟ هل وجد عملًا؟ هل أنتجت الجامعة معرفة جديدة؟ هل حل بحثها مشكلة حقيقية؟ وهل ساهمت في اقتصاد المنطقة والمجتمع الذي تعمل فيه؟
ولذلك ربما ينبغي أن يتغير السؤال الذي تطرحه الدولة على الجامعة.
من: «كم تحتاجون العام القادم؟»
إلى: «ماذا ستقدمون للمجتمع العام القادم؟»
وهذا التحول وحده قادر على تغيير فلسفة تمويل التعليم العالي.
والسياق السعودي ليس بعيدًا
الفكرة قد تبدو جريئة، لكن البنية المؤسسية للشراكة بين القطاعين العام والخاص موجودة بالفعل في المملكة.
ففي عام 2024 دشنت وزارة التعليم بالتعاون مع المركز الوطني للتخصيص مشروعًا أُسند فيه بناء وتشغيل 60 مدرسة في المدينة المنورة إلى القطاع الخاص ضمن عقد شراكة يمتد 23 عامًا، باستثمارات إجمالية معلنة تبلغ 5.2 مليار ريال.
والأقرب إلى فكرتنا حدث داخل البيئة الجامعية نفسها. ففي يونيو 2026 أعلنت جامعة أم القرى والمركز الوطني للتخصيص مشروع استكمال وتشغيل المستشفى الجامعي من خلال شراكة مع القطاع الخاص بعقد للتصميم والتشييد والتمويل والتشغيل والصيانة لمدة 30 عامًا، بهدف تفعيل أصل إستراتيجي قائم وتحويله إلى مستشفى جامعي متكامل بسعة 391 سريرًا، مع دعم التعليم الطبي والتدريب والبحث العلمي.
لا يعني المثالان أن تشغيل جامعة كاملة بالطريقة المقترحة أصبح نموذجًا مطبقًا؛ فهذه خطوة أبعد بكثير. لكنهما يثبتان أن فكرة العقد طويل الأجل، وإشراك القطاع الخاص في الاستثمار والتشغيل، وتوزيع المخاطر، وربط أصل عام بخدمة عامة، ليست غريبة عن البيئة السعودية.
بل إن المركز الوطني للتخصيص أصبح لديه إطار تنظيمي ونماذج استرشادية لوثائق الطرح واتفاقيات المشروعات والشروط التعاقدية ومصفوفات توزيع المخاطر، ويمكن تعديل هذه النماذج بحسب طبيعة كل مشروع.
إذن نحن لا نبدأ من فراغ.
السؤال الجديد هو: هل يمكن الانتقال من الشراكة في بناء وتشغيل المنشأة التعليمية إلى الشراكة في النموذج الاقتصادي للجامعة نفسها؟
جامعة ثالثة... لا حكومية فقط ولا خاصة فقط
ربما لا نحتاج أصلًا إلى حصر مستقبل التعليم العالي بين خيارين: جامعة حكومية وجامعة خاصة.
يمكن أن توجد بينهما مساحة ثالثة:
جامعة تملكها الدولة، ويشغّلها المستثمر، وينظمها القطاع العام، ويدرس فيها المواطن ضمن حصة الدولة مجانًا، ويتقاسم الجميع القيمة التي تنتجها.
ولا تعني الفكرة تطبيق النموذج غدًا على جميع الجامعات. على العكس، ربما تكون الطريقة الأكثر عقلانية أن نبدأ بجامعة واحدة فقط.
نقيّم أصولها، ونحسب تكلفتها الحقيقية على الدولة، ونحلل إيراداتها الممكنة، ونبني نموذجها المالي، ونحدد التخصصات والوظائف الأكاديمية التي لا يجوز المساس بها، ونضع مؤشرات الجودة والأداء، ثم نطرح سؤالًا واحدًا على السوق: ماذا تستطيع أن تصنع بهذه الجامعة مقابل حق تشغيلها ثلاثين عامًا؟
وقد نكتشف أن النموذج غير مجدٍ.
وهذه ليست هزيمة للفكرة؛ بل نتيجة يجب أن نعرفها.
وقد نكتشف أنه يصلح لجامعات معينة ولا يصلح لأخرى. لكن أسوأ نتيجة ليست أن ندرس الفكرة ثم نرفضها.
أسوأ نتيجة أن نستمر في تمويل نموذج لعقود أخرى فقط لأننا اعتدنا عليه، دون أن نسأل إن كان هناك نموذج أفضل.
فالتخصيص لا يعني بالضرورة أن تبيع الدولة أصولها، والاستثمار لا ينبغي أن يعني أن يتخلى المواطن عن حقه في التعليم، والقطاع الخاص لا ينبغي أن يحل محل الدولة.
ربما تكون المعادلة الأكثر ذكاءً أن يفعل كل طرف ما يجيده:
الدولة تملك وتنظّم وتضمن.
القطاع الخاص يستثمر ويشغّل ويتحمل المخاطر التي يستطيع إدارتها. والجامعة تعلّم وتبحث وتنتج المعرفة.
ويبقى المواطن في قلب المعادلة، لا على هامشها.
وحين ننجح في تصميم عقد يجعل المستثمر يربح، والدولة توفّر، والجامعة تتطور، والطالب يحصل على تعليم أفضل في الوقت نفسه، فلن تكون الدولة قد تخلّت عن جامعاتها.
ستكون فقط قد انتقلت من دفع تكلفة الجامعة إلى استثمار قيمتها.
ويبقى السؤال الذي ربما يستحق أن نبدأ منه النقاش كله:
ماذا لو لم تكن بعض جامعاتنا بنود إنفاق في الميزانية فحسب، وإنما أصولًا بمليارات الريالات لم نتعلم بعد كيف نجعلها تموّل جزءًا من رسالتها؟
** **
- د.خالد بن سرحان المطيري