الكويت - «الجزيرة»:
قالت الدكتورة سارة بنت متلع القحطاني أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الكويت إن العلاقات الإنسانية -وخاصة العلاقة الزوجية- تعتريها بعض المشكلات التي تضعف العلاقة أو حتى تهدمها، ولا يرجع السبب في تلك المشكلات إلى الأحداث المفصلية بقدر ما يرجع إلى التفاصيل الدقيقة غير المُدارة بوعي، إذ هناك مساحة حساسة جدًا بين «الخصوصية المشروعة» و»الغموض المقلق»، وهذه المساحة إن لم تُضبط، تحوّلت إلى بيئة خصبة لنمو الشك وسوء الظن.
وأوضحت د. سارة القحطاني في حديثها لـ«الجزيرة»: أن الشك غالباً لا ينشأ من فراغ، ولا يولد كبيراً، بل يتغذى على غياب الوضوح، فقد يبدأ بفكرة صغيرة جداً، وموقف بسيط، وكلمة تحتمل أكثر من معنى، أو تصرف لم يكن واضحاً، ومع غياب التوضيح؛ يحاول العقل إيجاد تفسير كاف للسلوك، فيبدأ تلقائيًا في إنتاج تفسيرات كثيرة، وغالبًا ما تكون هذه التفسيرات متأثرة بالمخاوف والتجارب السابقة، لا بالواقع الفعلي، ومن هنا يتحول الإدراك من «فهم» إلى «افتراض»، ومن «افتراض» إلى «قناعة»، ثم إلى «سلوك» قد يضر بالعلاقة، معرفة الشك يعرف بأنه: تردد القلب بين أمرين بلا مرجح، ويعرف سوء الظن: بأنه ميل النفس إلى ترجيح جانب الشر في حق الغير بلا بينة، والشك وسوء الظن ليسا مجرد أخطاء عابرة، بل هما مسار انحرافي يبدأ من القلب وينتهي بهدم العلاقات.
وأبانت د. سارة القحطاني أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الكويت إلى أن القرآن الكريم أشار إلى هذه الإشكالية بدقة منهجية في مواضع عديدة منها:
1- قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ} (12) سورة الحجرات؛ فالشرع لم ينهَ عن الظن مطلقًا - لأن من الظن ما هو محمود -؛ بل نهى عن «كثيره»، لأن الغالب على الظنون أنها لا تستند إلى دليل وبالتالي توقع في الإثم، فالإشكال ليس في التفكير ذاته، بل في البناء على معطيات غير مكتملة؛ فالشك وسوء الظن مرض لا يقف عند حد الفكرة العابرة، بل تتدرج في الذهن كما تتدرج العلة في الجسد. فإذا ترك الخاطر بلا دفع؛ استحال يقينا فاسدا، ثم أثمر قولا أو فعلا يفسد ما بين الناس.
2- قوله تعالى: {وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا} (282) سورة البقرة، وقد بين جل وعلا أن الوضوح والتنظيم سبب لقطع مادة الشك، لأن النفس إذا لم تجد بيانا، اشتغلت بالتأويل وربما جاوزت الحد، وهي إشارة عميقة إلى أن تقليل مساحات الشك يبدأ من تعزيز الوضوح والتنظيم، سواء في المعاملات أو في العلاقات. فكلما زاد الوضوح، تقلّصت الحاجة إلى التأويل، ومن الناحية النفسية؛ فإن الشك يتضخم في البيئات التي تتوافر فيها ثلاثة عناصر:
أولها: غموض في السلوك أو التواصل.
ثانيها: قابلية داخلية للقلق أو التوجس.
ثالثها: غياب أدوات التحقق الموضوعي.
وهذا ما يجعل بعض الأفراد أكثر عرضة للدخول في دوائر الشك، خصوصًا إذا لم يتم إيقاف هذه الدوائر في مراحلها الأولى. لأن الشك -إذا تُرك- لا يثبت عند حد معين، بل يتوسع تدريجيًا، ويعيد تفسير الماضي والحاضر وفق نفس العدسة.
واسترسلت د. سارة القحطاني في حديثها قائلة: ومن هنا جاءت المعالجة الشرعية متوازنة وعملية في خطوات عديدة منها:
أولًا: دفع الخواطر في بدايتها، وإحسان الظن كأصل تعبدي وأخلاقي؛ فحسن الظن ليس مجرد خلق اجتماعي فحسب، بل عبادة قلبية وآلية لحماية الإدراك من الانحراف؛ ولذا قال بعض السلف: المؤمن يلتمس المعاذير، والمنافق يتتبع العثرات.
ثانيًا: التثبت قبل إصدار الحكم. فالتثبت يسد ذريعة الشك، والعلاقة المستقرة لا تهدم بخاطر عابر، لذا فإن تعليق الحكم حتى تتوافر المعطيات الكافية واجب.
ثالثًا: إدارة الخواطر في بدايتها والاستعاذة من الشيطان؛ فلما كانت الخواطر كالنبت، إن ترك نبت؛ طولب المؤمن بدفع الخواطر في بدايتها بالاستعاذة من الشيطان؛ فالهاجس والفكرة غير المنضبطة تتحول إلى قناعة يصعب تفكيكها لاحقًا.
رابعًا: التغافل الواعي، وهو مهارة نفسية تنم عن قوة النفس، وتهدف إلى تجاوز الجزئيات غير المؤثرة حفاظًا على استقرار العلاقة الكلية.
خامسًا: تعزيز الوضوح دون انتهاك الخصوصية؛ فالغموض يولد الفراغ، والفراغ يملؤه الظن؛ ولذا فإن البيان الشرعي سبباً في رفع الارتياب؛ فالخصوصية لا تعني الغموض، والوضوح لا يلغي الكرامة، وهنا يظهر التوازن المطلوب بين الوضوح الذي يمنع الشك، والخصوصية التي تحفظ الكرامة، وغياب أحدهما يخلّ بالمعادلة.
وتختصر القاعدة الفقهية: «اليقين لا يزول بالشك» بوصلة العلاقات الإنسانية بحزم:
إذ تؤكد على ضرورة بقاء الأصل -وهو السلامة والثقة- وعدم نقضه بناءً على احتمالات غير مثبتة.
فالأصل في الناس السلامة، فلا يهدم هذا الأصل بمجرد الظن أو الخاطر العابر.
والإنسان أمام خيارين في توجيه علاقاته الإنسانية: إما أن يدير إدراكه بوعي، فيمنح الآخرين مساحة للخير، أو يترك عقله فريسة للظنون، فيخسر الطمأنينة قبل أن يخسر العلاقة.
وشددت الدكتورة سارة القحطاني في ختام حديثها على أن الشك وسوء الظن من أدق أمراض القلوب مسلكا وأشدها خفاء في البدايات، فإذا استحكمن صارت قواطع للروابط ومهلكات للعلاقات، ومنازع للسكينة التي تقوم بها البيوت وتستقر النفوس؛ فالحمد لله الذي جعل القلوب أوعية، فما امتلأت به ظهر أثره على الجوارح والأحوال، وجعل سلامتها في صفائها من الظنون الرديئة، كما جعل فسادها في تكدرها بأوهام لا زمام لها ولا خطام، وأعاذنا الله وكل مسلم من موارد الشك والريب وسوء الظن.