قرأتُ كتاب «الداء والدواء» لابن قيّم الجوزية، رحمه الله، ولمّا بلغت آخره استوقفني الفهرس: ثمانيةٌ وعشرون فصلًا تُفتَتَح كلُّها بكلمةٍ واحدة: «المعاصي»، ثم يذكر أثراً من آثارها.
نظنّ أنّ المعصية لا تضرّنا؛ لأنّ أجسادنا ما زالت معافاة، وأرزاقنا تجري، وأيامنا في هدوء تمضي. ننتظر للذنب أثرًا نلمسه: مرضًا يُفاجئنا، أو مالًا يضيع، أو بابًا يُغلق. فإذا لم نرَ شيئًا من ذلك، حسبنا أنّ الصفحة قد طُويت، وأنّ الخطيئة قد مُحيت، وما علمنا أنّ بعض العقوبات تأتينا في ثوب العافية، وأنّ أخفاها أشدُّها فتكاً بالقلب.
“الذنوب والمعاصي تضر ولا بد” كما يقرر ابن القيم، لكنها لا تبدأ دائمًا بكسر الجسد، بل قد تبدأ بإطفاء القلب: تسلبك لذة المناجاة، وتثقل عليك الصلاة، وتحرمك حلاوة التلاوة، فيقل نفورك من الذنب، ويخفّ استقباحك له، ثم تألفه حتى يصبح جزءًا من يومك، فلا تجد له وحشة ولا ترى له أثراً. يقول ابن الجوزي: “ربما رأى العاصي سلامة بدنه وماله، فظن أن لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة”.
وليس معنى ذلك أن كل ضيقٍ عقوبة، ولكن معناه أن للذنب أثرًا، وإن غاب عن العين أو تأخر ظهوره.
وقد لا يُسلب منك الرزق، ولكن تُسلب بركته، فيكثر ما في يدك ويقلّ الرضا في قلبك، وقد لا يفارقك الناس، لكن يفارقك منهم الأنس، فيقيم بينك وبينهم جفاءٌ لا تعرف له اسمًا.
إنّ أخطر ما تصنعه المعصية أنها تغيّر الموازين على مهل: يصغر العظيم، ويهون القبيح، ويصير التأجيل عادة. ويقول القائل منّا: سأتوب حين يصفو الوقت، وما ندري أنّ الوقت لا يصفو لقلبٍ أظلمته الخطايا. وفي الحديث: “إنّ المؤمن إذا أذنب ذنبًا كانت نُكتةٌ سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صُقل منها، وإن زاد زادت حتى يُغلَّف بها قلبه؛ فذلك الرَّانُ الذي ذكر الله” (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
فلا تقس سلامتك بما بقي في يدك، بل بما بقي في قلبك: هل تخشع؟ هل تشتاق إلى ربك؟ هل تخاف من تقصيرك في حقه؟ فإن وجدتَ من نفسك حياة، فاحمد الله وبادر بالتوبة، وإن لم ترَ للمعصيةِ أثراً، فلا تطمئن؛ فلعلّ أول الضرر ألّا تراه.
** **
- محمد بن رضوان المشيقح