في الخامس من أكتوبر، وحين يحتفي العالم أجمع باليوم العالمي للمعلم 2026، تكتسب هذه الذكرى في وجداني طعماً مختلفاً تماماً؛ طعماً يمتزج فيه عبير الماضي العريق برائحة الأوراق القديمة، مع استشراف المستقبل الواعد الذي نصنعه اليوم بأيدينا وعقولنا.
حين أسترجع بذاكرتي إلى الوراء، لأتأمل مسيرتي المهنية والتربوية الطويلة، أجدني أقف أمام شريط ممتد من الذكريات والتحولات الكبرى التي شهدها قطاع التعليم في وطننا الغالي؛ مسيرة انطلقت خطواتها الأولى كعاملة في ميدان التعليم تم تعيينها معلّمة في عهد الملك فهد بن عبد العزيز -رحمه الله-، وتدرجت عبر محطات العطاء والتجربة، حتى جلوسي اليوم على كرسي إدارة المدرسة.
هذه التجربة الممتدة عبر العقود والسنوات لم تكن مجرد رحلة وظيفية، بل كانت درساً حيًّا رسخ في ذهني حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل أو المزايدة: المعلم هو الثابت الوحيد الذي لا يقوم بناء الأمة إلا به، وهو حجر الزاوية الذي ترتكز عليه كل خطط التنمية، مهما تبدلت الأدوات، وتغيرت المناهج، وتطورت الخطط الاستراتيجية.
إن القراءة المتأنية لتاريخنا التعليمي المعاصر تكشف عن عمق القفزة الحضارية الهائلة التي عشناها في المملكة. فكيف لنا أن ننسى زمن الطباشير الأبيض الذي كان يملأ أيدينا وملابسنا، ويترك أثره على تفاصيل يومنا؟ كيف ننسى الوسائل التعليمية البسيطة التي كنا نكتبها بخط اليد على اللوحات الكرتونية، ونمضي الساعات في إعدادها وتلوينها؟ كانت أدواتنا في ذلك الوقت بسيطة ومتواضعة بمقاييس اليوم، لكن الشغف كان يملأ الأفق، وكان الصف الدراسي يدار بقلب المعلم قبل حنجرته، وبعاطفته الأبوية قبل معرفته العلمية.
واليوم، نقف بفضل الله ثم بفضل الدعم غير المحدود من قيادتنا الرشيدة في عصر جديد كلياً؛ عصر الشاشات الذكية، المنصات الرقمية، وأدوات الذكاء الاصطناعي التي تغلغلت في تفاصيل العملية التعليمية. ورغم هذا التطور التقني المذهل الذي نفتخر به ونباهي به الأمم، تظل الحقيقة التربوية الراسخة قائمة لا تتزحزح وهي أن التكنولوجيا -على نفعها وغزارتها- مجرد أداة جامدة، ولا يمكن لأي شاشة رقمية أو خوارزمية ذكية أن تعوض لمسة المعلم الحانية، أو نبرة صوته المشجعة وهي تقيل عثرة طالب، أو نظرته الأبوية الواثقة التي تبث الأمل والعزيمة في نفس المتعثر ليقف من جديد. التقنية تمنح العلم، لكن المعلم وحده هو من يمنح الرؤية والروح والقيم.
ومن واقع مسيرتي التي تدرجت فيها خطوة بخطوة، وعشت تفاصيلها معلمة ثم قائدة، أدرك تماماً أن الإدارة التعليمية ليست سلطة ولا وجاهة ولا مجرد إصدار للقرارات والتعليمات، بل هي في جوهرها خدمة وتيسير لرسالة المعلم السامية. فالقائد التربوي الناجح هو من يدرك أن تمكين المعلم، ومنحه التقدير المستحق، وتهيئة البيئة المحفزة له، هو المفتاح الحقيقي والوحيد لتميز المنظومة التعليمية بأكملها؛ فإذا صلح حال المعلم واستقر، أثمرت المدرسة جيلاً واعياً ومبدعاً.
وهنا، أجدها فرصة سانحة وغالية عبر هذا المقال لأتوجه برسالة صادقة من القلب إلى كل معلم ومعلمة في ميدان العطاء: أثركم لا يموت، وأنتم الاستثمار الحقيقي والرهان الرابح لهذا الوطن العظيم. إن قيادة التغيير في المدارس وصناعة المستقبل لا تبدأ من خطط الورق، بل تبدأ من إيمانكم العميق بدوركم، ومن يقينكم بأن كل كلمة تنطقون بها تبني لبنة في جدار الوطن. ودورنا نحن في الإدارات المدرسية هو أن نكون لكم سنداً وعوناً، نذلل الصعاب، ونقاسمكم شرف المسؤولية.
ختاماً، تحية إجلال مفعمة بالتقدير لكل معلم ومعلمة تركوا بصمة مضيئة في عقل طالب، وتحية لكل يد ما زالت تبني وتحيي الأمل في نفوس الأجيال، فبكم ومَعكم تستمر رحلة العطاء التربوي ناصعة وملهمة ومضيئة تنير دروب الحاضر وتصنع ملاحم المستقبل.
** **
- نوف سعد الحجيلي