تمهيد:
ماذا لو أنهى طالبٌ عامه الدراسي بدرجات مرتفعة، لكنه خرج من المدرسة أقل ثقة بنفسه، وأكثر خوفًا من الخطأ، وأضعف شعورًا بالانتماء؟ هل نصف تجربته التعليمية بالنجاح؟
وماذا لو لم يكن السؤال الأهم في نهاية العام: كم حقق طلابنا؟ بل أيضًا: ماذا صنعت المدرسة فيهم وهم يحققون؟
لسنوات طويلة، ارتبط نجاح المدرسة في الوعي العام بما تحققه من نتائج أكاديمية: نسب إتقان أعلى، واختبارات أفضل، وانخفاض في التعثر، وارتفاع في مؤشرات الأداء. وهي مؤشرات مهمة لا يمكن التقليل من قيمتها؛ فالتحصيل سيبقى جزءًا أصيلًا من جودة التعليم. غير أن المدرسة لا تصنع درجات فقط؛ إنها تشكل علاقة الطالب بالتعلم، وبذاته، وبالآخرين، وبالمستقبل.
ومن هنا يتغير السؤال. فبدل أن نسأل فقط: هل تعلّم الطالب؟ نحتاج أن نسأل أيضًا: كيف تعلّم؟ وكيف شعر وهو يتعلم؟ وهل خرج من التجربة أكثر قدرة على الاستمرار والمشاركة والمحاولة وصناعة المعنى؟ هنا يظهر مفهوم الرفاه المدرسي (School Well-being)، ليس باعتباره مناسبة سنوية أو برنامجًا جانبيًا يضاف إلى جدول المدرسة، وإنما بوصفه جزءًا من جودة التجربة التعليمية نفسها؛ تجربة يشعر فيها الطالب بالأمان والانتماء، ويجد مساحة لصوته، ويستطيع أن يخطئ دون أن يفقد ثقته، ويعرف أن النجاح رحلة نمو لا نتيجة اختبار واحد.
والسؤال الجوهري هنا هو: كيف تنتقل المدرسة من الاهتمام بالتحصيل وحده إلى بناء بيئة يتعلم فيها الطالب ويزدهر في الوقت نفسه؟
الرفاه والتحصيل: تكامل لا مفاضلة؟
قد يبدو الحديث عن الانتقال «من التحصيل إلى الازدهار» وكأنه دعوة إلى تخفيف الجدية الأكاديمية أو استبدال الإنجاز بالشعور الجيد. وهذه قراءة غير دقيقة؛ فالرفاه الحقيقي لا يعني مدرسة بلا تحديات، ولا طالبًا لا يواجه صعوبة، ولا تعليمًا يخلو من الجهد.
بل يعني أن يعيش الطالب التحدي في بيئة تمنحه الأدوات التي تساعده على مواجهته؛ أن يخطئ دون أن يشعر أن الخطأ تعريف لقدراته، وأن يطلب المساعدة دون خوف، وأن يتلقى تغذية راجعة تساعده على التحسن بدل أن تكتفي بالحكم عليه، وأن يشعر بأن ما يتعلمه يرتبط بحياته وهويته ومستقبله.
تؤكد منظمة الصحة العالمية واليونسكو في المعايير العالمية للمدارس المعززة للصحة أن فاعلية النظام التعليمي ترتبط بقدرته على تعزيز صحة الطلاب والعاملين ورفاههم، وأن المدرسة المعززة للصحة لا تقوم على نشاط منفرد، وإنما على نهج يشمل القيادة والسياسات المدرسية، والمناهج، والبيئة الاجتماعية والانفعالية، والبيئة المادية، والشراكات المجتمعية والخدمات الداعمة.
وفي الاتجاه نفسه، يقدّم تقرير اليونسكو العالمي Happy Schools إطارًا يقوم على أربعة أبعاد مترابطة: الأشخاص، والعمليات، والمكان، والمبادئ، ويضع السعادة والرفاه في قلب التعلم الجيد، باعتبارهما وسيلة لتحسين تجربة التعلم وغاية من غايات التعليم في الوقت نفسه.
إذن، القضية ليست مفاضلة بين طالب متفوق وطالب سعيد؛ القضية أن نصنع طالبًا يستطيع أن يتعلم جيدًا دون أن يخسر نفسه في الطريق.
ماذا تخبرنا الحياة داخل المدرسة؟
الأرقام تخبرنا بالكثير، لكنها لا تخبرنا بكل شيء. فالاختبارات قد تخبرنا بما يعرفه الطالب في لحظة معينة، لكنها لا تخبرنا إن كان يشعر بأنه ينتمي إلى المدرسة. وقد تخبرنا نسبة النجاح بأن الطلاب تجاوزوا المقرر، لكنها لا تخبرنا إن كانوا قادرين على التعبير عن أفكارهم بثقة.
وتقدم نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة PISA 2022 مؤشرات جديرة بالتأمل في السياق السعودي؛ فقد أفاد 73% من الطلاب في المملكة بأنهم يشعرون بالانتماء إلى المدرسة، مقارنة بمتوسط 75% في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بينما أفاد 18% بالشعور بالوحدة في المدرسة، و20% بالشعور بأنهم خارج دائرة المشاركة أو مستبعدون، كما أفاد 17% بعدم الرضا عن حياتهم وفق المقياس المستخدم في الدراسة. وهذه البيانات تعود إلى عام 2022؛ ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها خط أساس مرجعيًا لذلك الوقت، لا وصفًا آنيًا لجميع المدارس السعودية اليوم.
تكمن قيمة هذه المؤشرات في أنها تذكّرنا بأن جودة المدرسة لا تظهر في كشوف الدرجات وحدها؛ فالانتماء، والأمان، والعلاقات، والمشاركة، والدعم الذي يشعر به الطالب هي أيضًا أجزاء من التجربة التعليمية.
فالطالب لا يتعلم بعقله منفصلًا عن مشاعره وعلاقاته وبيئته. إنه يدخل الصف بكل ما يحمله: ثقته، وقلقه، وفضوله، وتجربته السابقة، وصورته عن نفسه. ولهذا قد تكون الكلمة التي يقولها المعلم عند الخطأ أحيانًا أكثر أثرًا من السؤال نفسه.
وهنا لا تصبح العناية بالرفاه خروجًا عن مهمة المدرسة الأكاديمية بل جزءًا من السؤال نفسه: ما البيئة التي تساعد الطالب على أن يتعلم بصورة أفضل ويستمر في التعلم؟
من «فعالية للرفاه» إلى «ثقافة للرفاه»
يمكن لمدرسة أن تنفذ عشرات الأنشطة المرتبطة بالسعادة والصحة النفسية، ومع ذلك لا يشعر طالب واحد أن المدرسة مكان آمن للتعبير. وهنا يظهر الفرق بين الفعالية والثقافة.
فالفعالية لها موعد تبدأ فيه وتنتهي، أما الثقافة فتظهر كل يوم.
تظهر في صباح المدرسة، وفي طريقة استقبال الطالب، وفي لغة المعلم عندما تكون الإجابة غير صحيحة، وفي توزيع الفرص داخل الصف، وفي عدالة التعامل والتقويم، وفي نوع العلاقات، وفي فرص المشاركة والاختيار، وفي معرفة الطالب أين يتجه عندما يحتاج إلى الدعم.
ومن هنا، فإن الاستدامة تتطلب عددًا من التحولات:
من النشاط إلى النظام: فلا يبقى الرفاه فعالية تضاف إلى الخطة، بل يصبح منظورًا حاضرًا في القيادة والتعليم والتقويم والنشاط والشراكة.
من الانطباع إلى المؤشر: فلا يكفي أن نقول إن البيئة إيجابية أو إن الطلاب سعداء؛ وإنما نحتاج إلى بيانات تساعد على فهم الانتماء والأمان والمشاركة والعلاقات والحضور وغيرها من المؤشرات ذات الصلة.
من الاستجابة للمشكلة إلى الوقاية والنماء: فلا تنتظر المدرسة ظهور الصعوبة حتى تتحرك، بل تبني منذ البداية مهارات الوعي والثقة والمرونة والعلاقات الإيجابية وطلب المساعدة.
ومن مسؤولية فرد إلى مسؤولية مجتمع مدرسي: لأن الرفاه لا يصنعه شخص واحد؛ بل يتشكل من تفاعل القيادة والمعلمين والطلاب والأسرة والبيئة والسياسات والممارسات اليومية.
وهنا تصبح النقلة الأهم من سؤال: «كم نشاطًا نفذنا؟» إلى سؤال: ماذا تغيّر؟ وهل استمر هذا التغير؟
الرفاه في المدرسة السعودية
يتقاطع هذا التوجه مع ما تؤكد عليه وزارة التعليم في المملكة من أهمية إيجاد بيئة مدرسية تعليمية صحية ملائمة لجميع فئات المجتمع المدرسي، وتعزيز صحة الطلاب والطالبات وتهيئة البيئة الداعمة لهم، كما ترتبط برامج الوزارة في مجال الصحة النفسية ببناء الشخصية المتوازنة، والسلوك الإيجابي، والثقة بالنفس، وتنمية المهارات الحياتية.
وهذا يعني أن الرفاه المدرسي ليس مفهومًا منفصلًا عن جودة التعليم، وإنما يمكن النظر إليه بوصفه أحد المداخل الداعمة لها. لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاعتراف بأهمية الرفاه؛ بل في تحويله إلى ممارسة مؤسسية يمكن ملاحظتها وقياس أثرها وتحسينها واستدامتها.
وهنا ينتقل السؤال من: «ما البرنامج الذي سننفذه؟» إلى سؤال أعمق: ما الذي ينبغي أن يتغير في تجربة الطالب اليومية داخل المدرسة؟
فالفرصة الأكبر ليست دائمًا في إضافة برنامج جديد إلى قائمة البرامج، بل في إعادة النظر في الممارسات الموجودة أصلًا: كيف نقدم التغذية الراجعة؟ كيف نصمم المهمة؟ كيف نستمع لصوت الطالب؟ كيف نقيس النجاح؟ وكيف نجعل المدرسة مساحة يتعلم فيها الطالب المعرفة، ويكتشف في الوقت نفسه قدراته وصوته ومسؤوليته تجاه الآخرين؟
الرفاه يبدأ أحيانًا من تفاصيل صغيرة
لا يحتاج بناء الرفاه دائمًا إلى مشروع ضخم أو ميزانية إضافية. قد يبدأ في الصف بدقيقتين؛ بسؤال قصير يمنح الطالب فرصة للتعبير عن تقدمه أو حاجته إلى الدعم، أو ببطاقة تأمل في نهاية الدرس، أو بمهمة تسمح بالاختيار والإبداع، أو بتعلم تعاوني يمنح كل طالب دورًا حقيقيًا، أو بمساحة آمنة للنقاش.
وقد يبدأ بتغذية راجعة تفصل بين الخطأ وقيمة صاحبه، أو بمشروع يربط ما يتعلمه الطالب بقضية حقيقية في مجتمعه، فيتحول التعلم من مهمة مطلوب إنجازها إلى تجربة لها معنى.
وفي تعليم اللغة - على سبيل المثال - يظهر ذلك حين لا تصبح اللغة مجرد إجابة صحيحة أو خاطئة، وإنما وسيلة للتعبير والحوار، وبناء الصوت الشخصي، والعمل مع الآخرين، والتأمل في التجربة، ومناقشة قضايا حقيقية ذات معنى للمتعلم.
هذه الممارسات الصغيرة، حين تصبح منتظمة، لا تبقى تفاصيل صغيرة؛ فالطالب الذي يشعر بأن لصوته قيمة يشارك أكثر، والذي يرى معنى فيما يتعلمه يرتبط به أكثر، والذي يعرف أن الخطأ جزء من التعلم يصبح أجرأ على المحاولة.
وما يبدأ ممارسة داخل صف واحد يمكن أن يتحول، عندما تتسق الممارسات، إلى ثقافة مدرسة كاملة. وهنا تحديدًا يكمن الفرق بين نشاط يُنفذ، وثقافة تُبنى.
هل يمكن قياس الرفاه؟
إذا أردنا للرفاه أن يتحول إلى ثقافة مستدامة، فلا يكفي الاحتفاء به؛ بل نحتاج أيضًا إلى متابعة جوانب من أثره، دون اختزاله في رقم واحد.
ولا يعني ذلك تحويل المدرسة إلى عيادة نفسية، أو إخضاع كل شعور لاختبار؛ بل يمكن بناء مجموعة متوازنة من المؤشرات التربوية، مثل: الشعور بالانتماء، والأمان، والمشاركة، والحضور، وجودة العلاقات، ومعرفة مصادر الدعم، والقدرة على التعامل مع المواقف الحياتية، إلى جانب البيانات النوعية مثل صوت الطالب والتأملات والملاحظات.
وقد يكون من المفيد في بعض التدخلات قياس المعرفة أو المواقف قبل التنفيذ وبعده، أو متابعة تطبيق عادة إيجابية بعد فترة زمنية، مع الوعي بأن بعض هذه البيانات ذاتية وتعكس ما يصرح به المشاركون، لا حكمًا مطلقًا على تجربتهم. والأهم أن تكون البيانات وسيلة للتحسين، لا غاية في ذاتها.
فالسؤال ليس: كيف نجمع أرقامًا أكثر عن الرفاه؟ بل: كيف تساعدنا البيانات على اتخاذ قرار أفضل للطالب؟
ولهذا ينبغي ألا تتحول مؤشرات الرفاه إلى أرقام للمفاضلة بين المدارس، وإنما إلى مرآة تساعد المدرسة على رؤية جوانب القوة، واكتشاف الاحتياج، وتصميم التدخل المناسب، ثم التحقق من أثره. عندها تتحول البيانات من أرقام للتوثيق إلى أداة للتعلم المؤسسي.
من المدرسة الناجحة إلى المدرسة المزدهرة
يمكن للمدرسة الناجحة أن تحقق نتائج أكاديمية جيدة، لكن المدرسة المزدهرة تطمح إلى أكثر من النتيجة.
هي مدرسة يكتسب فيها الطالب المعرفة والمهارة، ويحتفظ في الوقت نفسه بالرغبة في التعلم. مدرسة يشعر فيها بأنه ينتمي، وأن صوته مسموع، وأن الخطأ خطوة في طريق التعلم لا سببًا للانسحاب منه.
مدرسة لا تنظر إلى الصحة النفسية باعتبارها ملفًا يُفتح عند ظهور المشكلة فقط، بل تبني قبل ذلك بيئة تحمي وتدعم وتنمي.
ومدرسة لا تجعل الرفاه مهمة إضافية في جدول مزدحم، وإنما تطرح عند تصميم ممارساتها اليومية سؤالين متلازمين: هل تساعد هذه الممارسة الطالب على أن يتعلم؟
وهل تساعده على أن يصبح أكثر وعيًا وثقة واستقلالية وقدرة على المشاركة والتكيف؟
خلاصة:
قد تنتهي الحصة، ويُغلق الكتاب، وتُرصد الدرجة؛ لكن شيئًا آخر يبقى في ذاكرة الطالب: هل شعر أن صوته كان مسموعًا؟ هل خرج أكثر ثقة أم أكثر خوفًا؟ هل تعلّم الإجابة فقط، أم تعلّم كيف يفكر ويختار ويحاول من جديد؟
وهنا تكمن الفكرة التي تستحق أن نتوقف عندها: المدرسة لا تُقاس فقط بما يخرج منها من نتائج، بل بما ينمو داخل طلابها وهم في طريقهم إلى تلك النتائج. ولهذا، فإن الانتقال من التحصيل إلى الازدهار لا يعني أن نطلب أقل من طلابنا؛ بل ربما يعني أن نطلب أكثر: معرفة أعمق، وثقة أكبر، وانتماء أقوى، وقدرة على التفكير، وصوتًا قادرًا على التعبير، وإحساسًا بأن ما يتعلمونه يمكن أن يصنع أثرًا في حياتهم ومجتمعهم.
ولكي يصبح الرفاه مستدامًا، لا نحتاج دائمًا إلى إضافة المزيد. ربما نحتاج أولًا إلى أن ننظر بطريقة مختلفة إلى ما نفعله كل يوم: أن نصغي أكثر، وأن نقيس ما يتغير لا ما يُنفذ فقط، وأن نمنح الطالب مساحة للمشاركة والاختيار والتأمل، وأن نجعل العلاقات الداعمة جزءًا من جودة التدريس، وأن تتحول المبادرات من أحداث منفصلة إلى ممارسات متسقة.
فالرفاه المدرسي المستدام لا يُبنى بكثرة المناسبات، وإنما باتساق الممارسات؛ ولا يقاس بعدد المنشورات والفعاليات، وإنما بما يتغير في التجربة اليومية للطالب؛ ولا يتحقق بجهد شخص واحد، وإنما بثقافة يشترك في بنائها المجتمع المدرسي بأكمله.
وعندها ربما يتغير السؤال الذي نحتفل بإجابته في نهاية العام.
فبدل أن نقول فقط: كم حقق طلابنا؟ نسأل أيضًا: من أصبحوا وهم يتعلمون معنا؟
وحين تكون الإجابة: أصبحوا أكثر معرفة، وأكثر وعيًا، وأكثر ثقة، وأكثر قدرة على المشاركة وصناعة أثر ذي معنى؛ عندها نكون قد تجاوزنا نجاح المدرسة بوصفه رقمًا... إلى نجاحها بوصفها مكانًا يزدهر فيه الإنسان.
* * *
المراجع مختارة:
- «منظمة الصحة العالمية واليونسكو (2021)، المعايير العالمية للمدارس المعززة للصحة.
- «اليونسكو (2024)، التقرير العالمي للسعادة والتعلم - Happy Schools.
- «منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD (2023)، نتائج PISA 2022 - المملكة العربية السعودية.
- «وزارة التعليم، المملكة العربية السعودية، الشؤون الصحية المدرسية والصحة النفسية.
** **
- نحاء بنت سعد الغامدي