يدخل رئيس الجامعة مكتبه في يومه الأول، ولا يدخل وحده تمامًا. تدخل معه رؤيته، وتجربته، وقناعاته، وصور قديمة رسمها في ذهنه عن أشخاص عمل معهم أو سمع عنهم أو ارتاح إليهم. وبعد قليل تبدأ الأسماء في الظهور حوله؛ هذا يثق به، وذاك يعرف قدراته، وثالث يراه مناسبًا للمرحلة. تتشكل الدائرة الأولى، ثم لا تلبث أن تتحول إلى ما يعرف في أروقة الجامعات، وإن لم يُكتب في هيكلها التنظيمي، بـ«فريق الرئيس».
وليس في ذلك، من حيث الأصل، ما يثير الاستغراب. فكل قائد يحتاج إلى فريق يثق بقدرته على تنفيذ رؤيته، والانسجام داخل القيادة ليس تهمة، والثقة ليست عيبًا. بل ربما كان من العبث أن يُطلب من رئيس جامعة أن يقود مؤسسة معقدة بفريق لا يثق به. لكن المشكلة تبدأ في مكان آخر؛ حين تتحول الثقة من شرط مساعد للكفاءة إلى بديل عنها، وحين يصبح الفريق دائرة مغلقة، وتتحول المناصب إلى كراسٍ تتحرك داخلها الأسماء نفسها.
يصبح أحدهم عميدًا، ثم ينتقل إلى وكالة، ويغادر آخر مركزًا إلى عمادة، وينتقل ثالث من وكالة كلية إلى إدارة أو مركز، ثم تدور الكراسي مرة أخرى. تتغير المسميات، وتتسع المكاتب أو تضيق، لكن الوجوه تبقى قريبة من الطاولة ذاتها. تمضي السنوات، وتنتهي فترة الرئيس، فيأتي رئيس آخر، يحمل هو الآخر دفتره غير المكتوب، وقناعاته، ومن يثق بهم، فتنسحب دائرة وتتشكل أخرى، وتبدأ اللعبة من جديد.
وهنا لا يعود السؤال: هل من حق الرئيس أن يختار فريقه؟ فهذا سؤال سهل. السؤال الأصعب هو: هل نبني فريقًا للرئيس، أم نبني قيادات للجامعة؟
الفرق بين الاثنين أكبر مما يبدو.
فريق الرئيس يعيش غالبًا بعمر الرئيس؛ أما قيادات الجامعة فتنتمي إلى مؤسسة يفترض أن تكون أطول عمرًا من الجميع. فريق الرئيس يستمد جانبًا من قوته من ثقته به؛ أما القائد المؤسسي فيستمد شرعيته من كفاءته ونتائجه وقدرته على المنافسة على الموقع حتى لو تغير الرئيس غدًا.
ولهذا فإن أخطر ما في «فريق الرئيس» ليس أن الرئيس يختار أشخاصًا يعرفهم، بل أن تصبح معرفة الرئيس بهم هي الدليل على كفاءتهم.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي نتجنب عادة طرحه: ماذا لو أخطأ الرئيس في قراءة الناس؟
الرئيس، مهما علا منصبه واتسعت خبرته، يبقى إنسانًا. يرى الناس من زاوية تجربته، ويكوّن عنهم انطباعات، ويرتاح لبعض الشخصيات أكثر من غيرها، وقد يرى في سرعة الموافقة مرونة، وفي كثرة الاعتراض صعوبة، وفي الصمت حكمة، وفي الجرأة اندفاعًا. وقد يرى شخصًا «متعاونًا» بينما تكون ميزته الحقيقية أنه لا يقول لا، ويرى آخر «صعبًا» بينما مشكلته الوحيدة أنه يقول ما يعتقد أنه صحيح.
فمن يراجع هذه الأحكام؟
الأمر يصبح أكثر خطورة عندما تكون معايير الاختيار غير مكتوبة؛ لأن المعايير غير المكتوبة لا تختفي، بل تتحول إلى قناعات شخصية. وعندها قد تصبح كلمات مثل «أرتاح له»، و«أعرفه»، و«متعاون»، و«يفهمني»، و«أثق فيه» مؤهلات قيادية غير معلنة، وربما أقوى في أثرها من السجل المهني والإنجاز والقدرة على القيادة.
وهنا تظهر مفارقة القيادة: فالشخص الأكثر راحة للرئيس ليس بالضرورة أفضل شخص للجامعة.
بل قد يكون العكس أحيانًا.
فالقائد القوي ليس دائمًا ذلك الذي يجعل يوم الرئيس أكثر هدوءًا. قد يكون أفضل عميد هو الذي يدخل الاجتماع وفي يده رأي لا يرغب الرئيس في سماعه. وقد يكون أفضل وكيل هو الذي يقول: هذه المبادرة لن تنجح. وقد يكون أكثر أعضاء الفريق إخلاصًا للمؤسسة هو الشخص الذي يختلف مع الرئيس في اللحظة التي يصفق فيها الجميع.
وهذا ليس مجرد انطباع إداري. أدبيات اتخاذ القرار الجماعي عرفت منذ عقود ما يسمى Groupthink؛ أي «التفكير الجمعي»، حين يصبح الانسجام داخل المجموعة شديدًا إلى درجة يبدأ معها أعضاؤها بكبت اعتراضاتهم، أو تجنب طرح البدائل، أو قراءة رغبة القائد قبل أن يقولوا آراءهم. وتبين الأدبيات أن القائد المهيمن مع دائرة قرار صغيرة شديدة الثقة والانسجام يمكن أن يهيئ بيئة يصبح فيها الاختلاف أصعب، بينما تشير دراسات أخرى إلى أن وجود رأي مخالف حقيقي داخل المجموعة يحفز التفكير المتشعب ويحسن، في المحصلة، جودة التفكير والإبداع.
وهكذا قد يقع الرئيس في مفارقة عجيبة: يختار فريقًا متجانسًا حتى يستطيع تنفيذ رؤيته، ثم يصبح هذا التجانس نفسه سببًا في ألا يرى أحد عيوب تلك الرؤية.
ومع مرور الوقت، تتشكل حول القائد ما يشبه غرفة الصدى؛ يسمع فيها أفكاره بعد أن تعود إليه بأصوات متعددة. وقد أشارت أدبيات القيادة إلى أن القادة كلما صعدوا في الهرم التنظيمي أصبح خطر إحاطتهم بمن يشبهونهم ويوافقونهم أكبر، وأن الميل الطبيعي إلى اختيار من نشعر تجاههم بالتشابه والارتياح يمكن أن يضيق تنوع الرؤى المحيطة بصاحب القرار.
وهنا يصبح القوي المستقل أكثر إزعاجًا من الضعيف المنسجم.
ليس بالضرورة لأن الرئيس يريد الضعفاء، ولا يصح أن نتهم كل قائد بذلك؛ ولكن لأن الأنظمة التي تجعل الاختيار قائمًا على القناعة الشخصية وحدها لا تملك ضمانة تمنع حدوثه. وقد ينتهي الأمر، بقصد أو بغير قصد، إلى استبعاد شخصية قوية لأنها «لا تنسجم مع الفريق»، بينما يصعد آخر أقل منها كفاءة لأنه أكثر انسجامًا معه.
والمؤسسات لا تُبنى على افتراض أن القائد لن يخطئ؛ المؤسسات الجيدة تُبنى بحيث لا يتحول خطأ القائد إلى قدر المؤسسة.
ولعل اللافت أن النقاش نفسه حاضر اليوم في التعليم العالي الأمريكي. ففي مقال حديث بعنوان A University Is Not a President’s to Remake، جاء التحذير من أن اندفاع رئيس الجامعة إلى استبدال القيادات العليا لتكوين «فريقه الخاص» قد يبدد الذاكرة المؤسسية؛ فالمسؤول الذي أمضى سنوات في الجامعة لا يحمل في حاسوبه ملفات فقط، بل يعرف لماذا اتُّخذت قرارات سابقة، وما الذي جُرّب وفشل، وكيف تشكلت العلاقات، وأين تكمن الألغام التنظيمية. والخطر، كما يصوره المقال، أن ينتهي الرئيس بفريق يعرفه هو جيدًا، لكنه يعرف الجامعة بدرجة أقل.
وهذه ملاحظة تستحق التوقف.
فالجامعة ليست صفحة بيضاء تبدأ مع الرئيس وتنتهي معه. قبله تاريخ، وبعده تاريخ. وفي ممراتها معرفة مؤسسية لا تظهر في السيرة الذاتية، وتجارب نجاح وفشل تراكمت عبر السنين. وحين تتغير طبقة واسعة من القيادات مع تغير الرئيس، لا نخسر أشخاصًا فقط؛ قد نخسر جزءًا من ذاكرة الجامعة.
لهذا، أصبح التخطيط للتعاقب القيادي نفسه موضوعًا مؤسسيًا في التعليم العالي؛ فالمجلس الأمريكي للتعليم ACE، على سبيل المثال، يضع Leadership Pipeline ضمن موضوعاته القيادية، ونشر في مارس 2026 دراسة مخصصة لممارسات التخطيط للتعاقب الرئاسي في مؤسسات التعليم العالي. الفكرة هنا بسيطة وعميقة: القيادة لا ينبغي أن تبدأ يوم شغور الكرسي، بل تُبنى قبل ذلك بسنوات.
وهنا ربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل جامعاتنا مختلفًا: كم قائدًا تصنع الجامعة خارج دائرة الرئيس؟
هل يستطيع عضو هيئة تدريس متميز في كلية بعيدة عن مبنى الإدارة العليا أن يصبح عميدًا لأن نظام الجامعة اكتشف قدرته، أم يجب أولًا أن يدخل مجال رؤية الرئيس؟ وهل تستطيع الجامعة اكتشاف الإداري الاستثنائي الذي لا يجيد بناء العلاقات الشخصية لكنه يجيد بناء المؤسسات؟ وهل يوجد مسار واضح يجعل الكفاءة مرئية، أم أن بعض الكفاءات لا تظهر إلا عندما يعرفها الشخص المناسب؟
الجامعة التي تعتمد على عين الرئيس وحدها لرؤية القيادات تشبه مدينة ضخمة تُضاء بمصباح واحد؛ مهما كان المصباح قويًا، ستبقى أماكن لا يصلها الضوء.
ولا يكون العلاج بنزع حق الرئيس في تشكيل فريق قادر على العمل معه، ولا بتحويل كل منصب إلى سباق بيروقراطي طويل يقتل قدرة القيادة على الإنجاز. إنما العلاج في ألا تكون عين الرئيس العين الوحيدة: معايير معلنة، وقواعد بيانات للكفاءات، وبرامج لصناعة القيادات، وتقييم حقيقي للأداء، وفرص تنافسية، ومدخلات من أكثر من جهة، ومراجعة دورية لمن تم اختيارهم، بحيث تبقى للرئيس مساحة الاختيار، ولكن داخل مؤسسة تساعده على أن يرى من لم يكن يراه، وتراجعه عندما تخدعه الانطباعات.
فالاختيار المؤسسي لا يعني أن الرئيس لا يثق بأحد؛ بل يعني أن الجامعة لا تجعل مستقبلها كله معلقًا على جودة حدسه.
ولعل الاختبار الأهم لأي رئيس جامعة لا يكون في الأشخاص الذين اختارهم في بداية عهده، وإنما في الأشخاص الذين أصبحوا قادرين على القيادة عند نهايته. هل اتسعت دائرة القيادات أم ضاقت؟ هل ظهرت أسماء جديدة؟ هل صعدت كفاءات لم تكن محسوبة على أحد؟ هل أصبح لدى الجامعة صف ثانٍ وثالث؟ أم بقيت الكراسي تدور حول الطاولة نفسها؟
الرئيس العظيم لا يحتاج إلى من يصغر أمامه لكي يبدو كبيرًا. بل ربما تكون إحدى علامات قوته أن يجلس حول طاولته أشخاص يتفوقون عليه في مجالاتهم، ويملكون الشجاعة ليقولوا له ما لا يحب سماعه، ثم يخرج من الاجتماع أكثر اطمئنانًا لا أقل؛ لأنه يعرف أن الجامعة لا تفكر بعقل رجل واحد.
فالجامعة أقدم من رئيسها، وأكبر من فريقه، وأبقى من الجميع.
ولهذا فإن الرئيس الناجح لا يترك وراءه «رجاله»، بل يترك وراءه مؤسسةً تستطيع أن تختار رجالها ونساءها بعد رحيله؛ ولا يقاس إرثه بعدد من قرّبهم، بل بعدد الأكفاء الذين منحهم النظام فرصة الظهور، بمن فيهم أولئك الذين ربما لم يكونوا يومًا من فريقه.
وعندما يغادر الرئيس مكتبه للمرة الأخيرة، ينبغي ألا تتحرك الجامعة كلها معه إلى الباب.
فهذه هي المسافة الفاصلة بين جامعة يقودها رئيس، وجامعة يملكها فريق الرئيس.
** **
- د. خالد بن سرحان المطيري