«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
كيف تتحول الموسيقى من لحن مسموع إلى لغة تروي الحكاية، وتكشف مشاعر الشخصيات، وتمنح الصورة أبعادًا لا تقولها الكلمات؟ يبرز هذا السؤال عند استكشاف العلاقة بين الأوبرا والسينما، حيث تتجاوز الموسيقى دورها الجمالي لتصبح عنصرًا فاعلًا في بناء الدراما وتشكيل التجربة الفنية.
وفي هذا السياق، تناولت أمسية «السينما والأوبرا»، التي نظمها نادي سينيراما بالتعاون مع مركز سرد الثقافي في الرياض، العلاقة بين الفنين، بمشاركة الباحث في الموسيقى الكلاسيكية الدكتور رضا الكاظم، وإدارة الملحن الموسيقي سمير سعيد.
تلتقي الأوبرا والسينما في قدرتهما على توظيف الموسيقى للتعبير عن المشاعر والصراعات الإنسانية، لكنهما تختلفان في أدوات تقديم الحكاية. ففي الأوبرا، تتكامل الموسيقى والغناء والأداء المسرحي في بناء الحدث، بينما تتوزع عناصر السرد السينمائي بين الصورة وحركة الكاميرا والمونتاج والحوار والموسيقى التصويرية، بما يتيح تشكيل المعنى عبر تفاعل الصوت والمشهد.
ولم تقتصر الصلة بين الفنين على هذا التقاطع الجمالي، بل امتدت إلى استعانة السينما بالتراث الموسيقي الكلاسيكي، واقتباس أعمال أوبرالية وإعادة تقديمها في قوالب بصرية. وأتاح هذا التداخل للموسيقى أن تصل إلى جمهور أوسع، فيما منحتها الصورة السينمائية سياقات جديدة تتصل بالشخصيات والأحداث والمكان، وتعيد تشكيل أثرها في المتلقي.
تكشف هذه العلاقة عن أهمية الموسيقى في توجيه قراءة المشهد؛ فقد يغيّر اللحن دلالة الصورة، أو يمنح لحظة صامتة عمقًا عاطفيًا، أو يكشف عن صراع داخلي لا يفصح عنه الحوار. وهنا تتجاوز الموسيقى وظيفة المصاحبة لتشارك في بناء الحكاية، وتصبح جزءًا من اللغة التي يتواصل بها العمل الفني مع جمهوره.
وتتقاطع في موضوع الأمسية خلفيتان معرفيتان ومهنيتان؛ إذ يجمع الدكتور رضا الكاظم بين الاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية والفلسفة، وسبق له تقديم محاضرة بعنوان «الموسيقى والفلسفة»، تناول فيها أعمال بيتهوفن وفيردي وعلاقة الموسيقى بمفاهيم الإرادة والبطولة والخيال. فيما يمتلك الملحن سمير سعيد خبرة في الأغنية السعودية والموسيقى التلفزيونية، وتعاون مع فنانين من بينهم محمد عبده وعبدالمجيد عبدالله ونوال الكويتية وأحلام، كما وضع الموسيقى التصويرية لمسلسل «ديلفري».
وتعكس الأمسية توجهًا ثقافيًا نحو قراءة الفنون من داخل أدواتها، وفهم الكيفية التي تتشكل بها التجربة الجمالية، لا الاكتفاء بتلقيها. فبين خشبة الأوبرا وشاشة السينما، تظل الموسيقى لغة قادرة على وصل الصوت بالصورة، وتحويل اللحن إلى إحساس، والإحساس إلى معنى يرسخ في ذاكرة المشاهد.