إن استمرار حصار مدينة تعز، واتساع نطاق سيطرة الحوثيين على أجزاء من محافظتها ومحيطها، يضع اليمن أمام تحد استراتيجي تتجاوز آثاره حدوده الوطنية إلى أمن المنطقة والملاحة الدولية. وتستمد تعز أهميتها من موقعها الجغرافي وثقلها السكاني وحضورها الفكري والاقتصادي والعسكري، الأمر الذي يجعل مصيرها وثيق الصلة بمستقبل الدولة اليمنية وموازين القوى في المنطقة.
تحتل تعز مكانة بارزة في البنية السكانية والاجتماعية والثقافية لليمن، وقد أسهمت عبر تاريخها في تشكيل الوعي الوطني ورفد مؤسسات الدولة بالكوادر العلمية والإدارية والعسكرية. وأكسبتها سنوات الحصار والقصف والمواجهات مكانة رمزية في الوجدان اليمني، حتى غدا صمودها تعبيراً عن إرادة مجتمع يتمسك بهويته ومستقبله. ومن ثم، فإن سقوط المدينة في قبضة الحوثيين قد يحدث تصدعا معنويا وسياسيا تمتد آثاره إلى بقية المحافظات، ويؤثر في تماسك القوى المناهضة لسيطرتهم.
ويمنح استمرار النزاع الحوثيين فرصة إضافية لتعزيز قدراتهم البشرية والعسكرية، واستثمار الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية في توسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد، بما يثير مخاوف خاصة بشأن استغلال الأطفال والشباب. ويتيح امتداد السيطرة على المناطق والمؤسسات ترسيخ أنماط إدارية وتعليمية وفكرية تخدم مشروع الجماعة الحوثية الإرهابية، وتعزز حضورها في البنية الاجتماعية على المدى الطويل.
وكلما طال أمد هذا الواقع، ازدادت تعقيدات استعادة مؤسسات الدولة وإعادة بناء الثقة المجتمعية، وارتفعت الكلفة الإنسانية والسياسية لأي تسوية مستقبلية.
وتكتسب تعز أهمية عسكرية واقتصادية استثنائية بحكم موقعها الرابط بين المرتفعات الداخلية والساحل الغربي، وقربها من الطرق المؤدية إلى باب المندب.
ويمنح هذا الموقع أطراف النزاع قدرة على التأثير في خطوط الإمداد والاتصال والحركة التجارية والعسكرية.
ومن شأن اتساع نفوذ الحوثيين في هذه المنطقة أن يعزز قدرتهم على المناورة والتمركز والتحكم في بعض طرق النقل، بما يثير مخاوف إضافية بشأن أمن الملاحة والتجارة الدولية، ويضاعف التحديات الأمنية التي تواجه اليمن والمملكة العربية السعودية والدول المطلة على البحر الأحمر.
وتتصل الأهمية الاستراتيجية لتعز برصيدها البشري والفكري والاقتصادي المؤثر في تشكيل مستقبل اليمن. وتكمن خطورة اتساع السيطرة الحوثية فيها في إمكانية توظيف هذا الرصيد لتعزيز نفوذ الحوثيين داخل المجتمع ومؤسساته، وإعادة تشكيل البيئة التعليمية والثقافية والسياسية وفقًا لتوجهاتها. وقد يمتد أثر ذلك إلى أجيال متعاقبة، بما يجعل معالجة النتائج الاجتماعية والفكرية للنزاع أكثر تعقيدًا من استعادة السيطرة الميدانية على الأرض. إن تطورات تعز تكشف عن حقيقة استراتيجية تتصل بطبيعة الزمن في الصراعات الممتدة؛ فكل مرحلة تمر دون معالجة أسباب الحصار واستعادة الاستقرار تتيح للأطراف المتصارعة إعادة تنظيم قدراتها، وتفرض على السكان أعباء إنسانية واقتصادية متزايدة. ويزداد هذا الخطر حين تقترن السيطرة الميدانية بالنفوذ المؤسسي والتعبئة الفكرية والقدرة على استغلال الموارد البشرية والاقتصادية.
وتفرض هذه المعطيات مسؤولية عاجلة على الحكومة اليمنية والقوى الإقليمية المعنية، للعمل على فك الحصار وتأمين طرق الإمداد وحماية السكان المدنيين، ودعم استعادة مؤسسات الدولة وفق رؤية سياسية وأمنية متكاملة، تراعي القانون الدولي الإنساني وتضع سلامة المواطنين واستقرار المنطقة في مقدمة أولوياتها.
إن مستقبل تعز يرتبط بمستقبل اليمن ووحدة مؤسساته وأمن محيطه الإقليمي. وقد أصبحت معالجة أزمتها ضرورة استراتيجية تتطلب وضوح الرؤية وسرعة القرار وتنسيق الجهود الوطنية والإقليمية والدولية. فالوقت في تعز يصنع الوقائع، والوقائع تصنع موازين القوى، وموازين القوى ترسم مستقبل الأوطان. وكل يوم يمر تحت وطأة الحصار يضيف إلى معاناة أهلها، ويضاعف الأعباء التي سيتحملها اليمن والمنطقة في سبيل استعادة الأمن والاستقرار.
أنقذوا تعز قبل أن تتضاعف كلفة إنقاذها، وقبل أن يدفع اليمن والمنطقة ثمن تأخير كان في الإمكان تداركه. فتعز قضية وطن، ومصيرها جزء من مصير اليمن كله.
** **
- د. علي غانم الشيباني