لم تكن الجريمة في تاريخ البشرية تفتقر يوماً إلى الذكاء التسويقي، بل إن أبشع الفظائع والتجارب الاستبدادية كانت دائماً بحاجة إلى أفخر أنواع اليافطات لتغطية قبحها الداخلي، وبنظرة سريعة على خارطة الصراعات قديماً وحديثاً، نجد أن تزييف الوعي لا يبدأ من إطلاق الرصاصة الأولى أو سن القوانين الجائرة، بل يبدأ من اختيار الاسم؛ حيث تحولت المسميات والشعارات المقدسة إلى ما يشبه دروعاً بشرية أيديولوجية، يرتديها كل طغيان ليحصّن بها نفسه ضد النقد والمحاسبة.
إنها حكاية اختطاف المفهوم وتغليف البضاعة الفاسدة بأقدس الكلمات، حيث تتوارى الجماعات المسلحة والأنظمة الجائرة خلف عناوين إلهية ورنانة، في محاولة لتوريط الخصوم أخلاقياً، وتوجيه رسالة ضمنية مفادها أن معارضة هذا الكيان ليست مجرد اختلاف سياسي، بل هي مواجهة صريحة مع الحق ذاته.
هذا التكتيك ليس وليد المصادفة أو مجرد ذوق شخصي لصناع القرار والجماعات الحركية، بل ينطلق من آليات نفسية وسياسية مدروسة تعتمد على فصل «الرمز» عن «الحقيقة الفعلية»، فحين تُطلق جماعة مسلحة على نفسها اسماً يربطها بالذات الإلهية، أو تمنح دولة مستبدة لنفسها صبغة القداسة الحصرية، فإنها تمارس احتكاراً أخلاقياً يمنحها سلطة مطلقة على عقول الجماهير، ومن هنا تتحول عملية نقد الأداء السياسي أو العسكري أو الاقتصادي لهذه الكيانات إلى مسألة شائكة في أذهان البسطاء؛ لأن الإعلام الموجه ينجح في إعادة تأطير المشهد دائماً ليصبح الصراع –زوراً– بين حق مطلق تمثله الجماعة، وباطل مطلق يمثله أي صوت يطالب بالعقل أو الحرية.
وتتجلى هذه الظاهرة بأبشع صورها المعاصرة في ميليشيا الحوثي الإرهابية؛ تلك الجماعة التي اختطفت جغرافيا ومقدرات بلد كامل تحت يافطة «أنصار الله». إنه النموذج الصارخ للتناقض بين الاسم والمضمون؛ حيث تطلق الميليشيا على نفسها هذا الاسم الشريف، بينما تجعل من تفجير المساجد، وتلغيم عقول الأطفال، وتجويع الشعب، وتفخيخ الممرات المائية ممارسة يومية لها. لقد حولت هذه الميليشيا الاسم المقدس إلى غطاء لجرائم ترقى إلى جرائم الحرب، حيث يُجبر المواطن على الخضوع لمشروعها السلالي تحت تهديد السلاح والترهيب العقدي، بدعوى أن من يقاتل الحوثي إنما يقاتل «أنصار الله»! إنه استغلال رخيص ومكشوف للذات الإلهية لمنح شرعية مطلقة لعصابة متمردة عاثت في الأرض فساداً.
وهذه الممارسة الحوثية ليست سوى امتداد لاستراتيجية متكررة عبر التاريخ الإنساني، ففي التاريخ الإسلامي، رفع الخوارج قديماً شعار «لا حكم إلا لله» لمواجهة صحابة رسول الله وتبرير سفك الدماء، فكان رد علي بن أبي طالب حاسماً لجوهر التضليل: «كلمة حق يُراد بها باطل». وفي التاريخ الحديث، اختطفت التنظيمات المتطرفة مفهوم الخلافة والرايات الدينية لتمارس تحتها أبشع المجازر، وعلى النحو ذاته في التاريخ العالمي، تمددت «الإمبريالية الرومانية المقدسة» في أوروبا تحت يافطة الدين لإرهاب الخصوم، وهو ما دفع الفيلسوف فولتير إلى تهشيم هذه الخدعة بعبارته الشهيرة بأن هذا الكيان «ليس مقدساً ولا إمبراطورية».
كما شهدت إفريقيا ميليشيات ارتكبت المجازر تحت اسم «جيش الرب»، وقبلاً مارست محاكم التفتيش أبشع أنواع التعذيب تحت غطاء حماية الإيمان.
إن السر الحقيقي وراء نجاح هذا السيرك المربح عبر العصور لا يكمن فقط في كيد المجرمين، بل في سذاجة الجمهور المستهدف، فهناك دائماً شرائح عطلت عقولها واكتفت بالقراءة من العناوين العريضة، يُغرر بها الاسم البراق، وتصفق للشعار الرنان، وتمنح الشرعية المطلقة لكيانات تسفك الدماء وتدمر الأوطان، لمجرد أن الجاني يرفع شعاراً مقدساً. إنها حالة نادرة من التعتيم الذاتي، يحل فيها السحر اللفظي محل الواقع الملموس، فيدفع المجتمع ثمن هذه العاطفة الساذجة دماراً ومزيداً من الأغلال.
وفي النهاية، تجرد هذه الممارسة القبيحة المسميات الشريفة من قدسيتها في نفوس الناس، وتفتح الباب لوكلاء الوهم كي يمارسوا أبشع أنواع التجارة بالأديان والقضايا العادلة، فالأسماء البراقة لن تغسل يداً لطخها الدم، والألقاب المقدسة لن تحول العصابات الحوثية والميليشيات الإرهابية إلى ملائكة رحمة. والوعي الحقيقي يبدأ باللحظة التي يدرك فيها المرء أن الأفعال في الميدان هي الميزان الوحيد للمحاسبة، وأن الله عز وجل والأديان والإنسانية بريئة تماماً من كل دكان سياسي أو ميليشياوي يسرق المسميات الشريفة ليبرر بها طغيانه وفساده في الأرض.
** **
د. عيسى الربعي - دكتوراه صحافة وإعلام