لم تعد الجامعة في الاقتصاد الحديث مؤسسة وظيفتها الأساسية تقديم التعليم ومنح الدرجات العلمية فحسب، بل أصبحت جزءًا من منظومة الإنتاج الاقتصادي، ومكوّنًا فاعلًا في بناء رأس المال البشري، وتوليد المعرفة، وتحويل البحث العلمي إلى قيمة اقتصادية. ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للجامعة أن تتحول من جهة تعتمد على التمويل العام إلى مؤسسة تمتلك مصادر دخل مستدامة، دون أن تفقد رسالتها الأكاديمية؟
الإجابة لا تكمن في النظر إلى الجامعة باعتبارها منشأة تبحث عن إيرادات إضافية، وإنما في إعادة تعريف مفهوم الاستثمار الجامعي، بحيث تصبح المعرفة، والبرامج الأكاديمية، والمعامل والمختبرات، والمرافق، والمواقع الجغرافية، والأصول، والشراكات مع القطاع الخاص، جميعها مكونات في نموذج اقتصادي متكامل. فالجامعة التي تمتلك المعرفة ولا تستثمرها، والمعامل ولا توظفها اقتصاديًا، والمرافق ولا تعظم استخدامها، والأصول ولا تدير عوائدها، والموقع الجغرافي ولا تبني حوله فرصًا استثمارية، قد تكون أمام موارد اقتصادية غير مستغلة.
يمثل التعليم المستمر والبرامج المدفوعة أحد أهم روافد الدخل الجامعي، لكن التوسع الكمي فيها لا ينبغي أن يكون هو الهدف. فالمعيار الحقيقي هو جودة البرنامج وقيمته السوقية وقدرته على الاستجابة لاحتياجات سوق العمل. ومن هنا يمكن للجامعات تطوير برامج مهنية وتنفيذية متخصصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتمويل، وإدارة المخاطر، وسلاسل الإمداد، والسياحة، وإدارة المشاريع، والقيادة، وغيرها من التخصصات التي يتزايد الطلب عليها. والأهم أن تتحول الجامعة من مجرد مقدم للبرنامج إلى شريك في تطوير رأس المال البشري للمنشآت، من خلال تصميم برامج مشتركة مع الشركات والجهات الحكومية، بحيث تدفع الجهة المستفيدة مقابل تدريب وتأهيل موظفيها. وبذلك يصبح البرنامج المدفوع ليس مجرد رسوم دراسية، وإنما منتجًا معرفيًا قابلًا للتسويق.
تمتلك الجامعات بنية تحتية ضخمة، من قاعات ومسارح ومراكز مؤتمرات ومرافق رياضية ومعامل ومختبرات ومراكز بحثية. وفي كثير من الحالات لا تعمل هذه الموارد بكامل طاقتها طوال العام. وهنا تظهر فكرة اقتصاديات الاستخدام الأمثل للأصول الجامعية، فالمعمل البحثي على سبيل المثال يمكن أن يتحول من مركز للتجارب الأكاديمية إلى منصة تقدم خدمات الفحص والتحليل والاستشارات والاختبارات للقطاع الصناعي، وفق الأطر التنظيمية والأكاديمية المعتمدة، كما يمكن للمرافق الجامعية استضافة المؤتمرات والمعارض والبرامج التدريبية والفعاليات المهنية، بما يولد إيرادات إضافية، ويعزز في الوقت نفسه الحضور المؤسسي للجامعة. والفكرة الأعمق هنا هي الانتقال من مفهوم امتلاك المنشأة إلى مفهوم إدارة دورة حياة المنشأة وتعظيم العائد منها.
قد لا تتمتع جميع الجامعات بالميزة الجغرافية نفسها. فبعضها يقع في مدن سياحية، وأخرى في مدن صناعية، وبعضها قريب من المطارات أو الموانئ أو المناطق الاقتصادية، وأخرى تقع في مراكز حضرية ذات كثافة سكانية عالية. وهذه الجغرافيا ليست مجرد عنوان للجامعة، بل يمكن أن تكون ميزة تنافسية اقتصادية. فالجامعة الواقعة في مدينة سياحية تستطيع بناء منظومة تعليمية واستثمارية مرتبطة بالسياحة والضيافة والفعاليات. والجامعة الموجودة في مدينة صناعية يمكن أن تتخصص في المختبرات والخدمات والاستشارات الصناعية والتقنية. أما الجامعة الواقعة في منطقة ذات نشاط زراعي أو لوجستي، فيمكنها تطوير مراكز بحثية وخدمات متخصصة تخدم اقتصاد المنطقة. وبذلك تصبح العلاقة بين الجامعة والمكان علاقة إنتاج اقتصادي، وليس مجرد علاقة جغرافية. وهنا يأتي مفهوم تمايز الجامعات، ومن الأمثلة على ذلك جامعة الطائف تقع في مدينة ذات مقومات سياحية وزراعية، إذ يمكن أن تستثمر موقعها في تطوير برامج ومراكز متخصصة في السياحة والضيافة والفعاليات والتراث والزراعة، بما يجعل الجامعة جزءًا من الاقتصاد المحلي ومساهمًا في تشكيل هويته الاقتصادية.
الشراكة مع القطاع الخاص هي الحلقة الأكثر أهمية في بناء اقتصاد جامعي مستدام. فالجامعة تمتلك المعرفة والكوادر البشرية والبنية البحثية، بينما يمتلك القطاع الخاص رأس المال والخبرة السوقية وقنوات التسويق والتنفيذ، وعندما يلتقي الطرفان يمكن أن تتحول المعرفة من بحث منشور إلى منتج، ومن فكرة إلى شركة، ومن مختبر إلى خدمة، ومن ابتكار إلى قيمة اقتصادية. ويمكن أن تتخذ الشراكة صورًا متعددة، منها: إنشاء مراكز بحث وتطوير مشتركة، تمويل الكراسي والمراكز البحثية، إنشاء حاضنات ومسرعات أعمال، تطوير برامج أكاديمية مشتركة، تقديم خدمات استشارية متخصصة، استثمار براءات الاختراع والملكية الفكرية، إنشاء شركات جامعية أو صناديق استثمارية وفق الأطر النظامية، تطوير مرافق جامعية بنماذج الشراكة والاستثمار.
والهدف ليس أن تصبح الجامعة شركة تجارية، وإنما أن تصبح جامعة ذات عقل اقتصادي تعرف كيف تحول مواردها المعرفية إلى قيمة مضافة. كذلك تمثل الأصول الجامعية مجالًا واسعًا يمكن أن يشكل مصدرًا مستدامًا للإيرادات إذا أُدير وفق دراسات اقتصادية واحترافية استثمارية. فالأراضي والمباني والمواقف والمرافق والخدمات والمساحات التجارية وغيرها يمكن أن تدخل ضمن استراتيجية متكاملة لإدارة الأصول، بدل التعامل معها باعتبارها ممتلكات ثابتة لا يتجاوز دورها الاستخدام التقليدي. لكن الاستثمار في الأصول ينبغي ألا يكون بيعًا للأصل من أجل إيراد آني، بل يجب أن ينطلق من قاعدة أكثر استدامة وهي الحفاظ على الأصل وتنمية قيمته وتحويله إلى مصدر دخل مستمر. ومن هنا يمكن التفكير في نماذج مثل التأجير طويل الأجل، والتطوير المشترك، والشراكات الاستثمارية، والمجمعات التجارية والخدمية، والمرافق الفندقية أو التدريبية، والمشروعات المرتبطة بطبيعة كل جامعة وموقعها.
القضية إذن ليست في البحث عن مصادر دخل متفرقة، وإنما في بناء نموذج اقتصادي جامعي متكامل. فالبرنامج المدفوع يمكن أن يولد إيرادًا، والمعمل يمكن أن يقدم خدمة، والمبنى يمكن أن يستثمر، والموقع يمكن أن يصنع ميزة تنافسية، والبحث العلمي يمكن أن يتحول إلى منتج، والشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن توفر رأس المال والخبرة. وعندما ترتبط هذه العناصر ببعضها، تتحول الجامعة إلى منظومة اقتصادية متعددة الروافد. وهنا يصبح من الضروري إنشاء منصة احترافية داخل الجامعات لإدارة الاستثمار والموارد والأصول والملكية الفكرية، بعيدًا عن الإدارة التقليدية التي قد تنظر إلى كل مورد بصورة منفصلة.
أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول البحث عن الإيرادات إلى غاية بحد ذاته. فالجامعة ليست شركة، ورسالتها التعليمية والبحثية وخدمة المجتمع تظل جوهر وجودها. لذلك فإن الاقتصاد الجامعي الناجح هو الذي يحقق التوازن بين الاستدامة المالية والاستقلال الأكاديمي.
إن مستقبل الجامعات لا يقاس فقط بعدد خريجيها أو برامجها الأكاديمية أو مبانيها، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتوظيف الأصول، واستقطاب الاستثمار، وبناء الشراكات، وخلق القيمة الاقتصادية. فالجامعة الحديثة ينبغي أن تكون مدرسةً للعلم، ومختبرًا للابتكار، وحاضنةً لريادة الأعمال، وشريكًا للقطاع الخاص، ومحركًا للتنمية المحلية. وعندما تنجح الجامعة في ذلك، فإنها لا تتحول من مؤسسة تعليمية إلى مؤسسة تجارية، وإنما ترتقي إلى مفهوم أكثر نضجًا: جامعة منتجة للمعرفة والقيمة والثروة.
وهنا يمكن اختصار الفكرة في معادلة واحدة:
جامعة منتجة = معرفة تُستثمر + أصول تُدار بكفاءة + شراكات تُبنى بذكاء + موقع يُستثمر + موارد تُدار بعقل اقتصادي.
وعندها لا تكون الجامعة مجرد بند في الإنفاق العام، بل تصبح رافدًا للتنمية الاقتصادية، ومحركًا للاقتصاد المحلي، وشريكًا في بناء اقتصاد المعرفة.
** **
د. ساير ساعد ساير الجعيد - أستاذ التمويل والاستثمار المشارك