«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في حضور يعزز المشاركة السعودية في المؤسسات الفكرية العربية، نُصّب صاحب السمو الملكي الأمير تركي الفيصل بن عبدالعزيز، رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، عضوًا مشاركًا في أكاديمية المملكة المغربية، خلال مراسم رسمية احتضنتها العاصمة الرباط، الاثنين 26 أكتوبر 2026، بحضور أعضاء الأكاديمية وعدد من الشخصيات العلمية والثقافية والدبلوماسية.
جاء التنصيب تقديرًا لمسيرة الأمير تركي الفيصل التي جمعت بين العمل السياسي والدبلوماسي والاهتمام بالشأن الفكري والمعرفي. وقد قدّمه الدكتور عبدالجليل لحجمري، أمين السر الدائم للأكاديمية، خلال جلسة ترأسها الدكتور محمد الصغير جنجار، عضو الأكاديمية، فيما ألقى سموه درس التنصيب بعنوان «الأدوار الثقافية المستجدة في عالم متغير».وفي كلمته التقديمية، استحضر لحجمري محطات من مسيرة الأمير تركي الفيصل، بدءًا من عمله مستشارًا في الديوان الملكي عام 1973، مرورًا برئاسته جهاز الاستخبارات العامة السعودية من عام 1977 إلى عام 2001، ثم توليه منصب سفير المملكة لدى المملكة المتحدة وإيرلندا، وبعد ذلك سفيرًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية. وأبرز أن هذه التجربة أتاحت له الاطلاع المباشر على التحولات الدولية وأزماتها، بالتوازي مع اهتمامه بالمؤسسات الثقافية والمعرفية.
يكتسب موضوع درس التنصيب أهميته من اتصاله بموقع الثقافة في عالم تتسارع فيه التحولات السياسية والاجتماعية والتقنية، وتتجدد فيه الأسئلة المتعلقة بالهوية والذاكرة والعلاقة بالآخر. فالثقافة، في هذا السياق، ليست مجرد وعاء للموروث أو مساحة للتعبير الإبداعي، بل ركيزة لتكوين الوعي، وأداة لفهم التحولات، ومجال للحوار بين المجتمعات وصون خصوصياتها الحضارية.
وتبرز أهمية هذا الطرح في ظل التحولات الرقمية المتسارعة، وما تفرضه من أسئلة حول مستقبل المعرفة، وسبل انتقالها بين الأجيال، وقدرة المؤسسات الثقافية على مواكبة المستجدات دون التفريط في المرجعيات التي تشكل هوية المجتمعات. كما يفتح النقاش حول الأدوار الثقافية المتجددة المجال أمام تأمل العلاقة بين الأصالة والانفتاح، وبين الحفاظ على الذاكرة الحضارية والاستجابة لمتطلبات العصر.
وتتجاوز دلالة التنصيب البعد الشخصي إلى سياق أوسع من التواصل الفكري بين المملكة العربية السعودية والمملكة المغربية. ويتيح انضمام الأمير تركي الفيصل إلى الأكاديمية مجالًا لتعزيز تبادل الرؤى والخبرات، بالنظر إلى تجربته في العلاقات الدولية وإسهامه في قيادة مؤسسة بحثية تُعنى بالدراسات الإسلامية والبحوث المعرفية.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية توسيع مجالات التعاون بين مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية وأكاديمية المملكة المغربية، بما يدعم البحث العلمي والحوار الثقافي، ويفتح آفاقًا للتواصل بين الباحثين والمفكرين. وتظل ترجمة هذا التوجه إلى برامج ومبادرات مشتركة مرتبطة بما تعلنه المؤسستان رسميًا من خطوات عملية.
تأسست أكاديمية المملكة المغربية عام 1977، وتُعنى بالبحث العلمي والفكري والثقافي، وتجمع شخصيات علمية وفكرية من المغرب ودول أخرى، بما يعزز الحوار بين الثقافات والحضارات. وتمثل العضوية المشاركة إحدى صيغ الحضور في هذه المؤسسة، التي تتيح تعدد الخبرات والرؤى في مناقشة القضايا الفكرية والمعرفية ذات الامتداد الدولي.
وسبق أن ضمت الأكاديمية شخصيات سعودية، من بينها الأمير عبدالله الفيصل والدكتور عبدالله بن عمر نصيف، فيما تضم الدكتور أحمد محمد الضبيب عضوًا شرفيًا، إلى جانب الأمير تركي الفيصل عضوًا مشاركًا. ويعكس هذا الحضور امتداد الصلات العلمية والثقافية بين البلدين، ويؤكد أهمية المؤسسات الفكرية في بناء جسور التواصل التي تتكامل مع العلاقات السياسية والاقتصادية.
ويعيد هذا التنصيب طرح سؤال جوهري عن دور الثقافة في عالم متغير: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على هويتها وذاكرتها الحضارية، وأن تنفتح في الوقت نفسه على المعرفة والتحولات العالمية؟ وهو سؤال تتجاوز أهميته حدود المناسبة، ليتصل بمستقبل المؤسسات الثقافية، وقدرتها على الإسهام في بناء وعي يستوعب التعدد، ويوازن بين الاستمرار والتجديد، ويجعل المعرفة أساسًا للتفاهم بين الشعوب.