هناك مشاهد لا تستطيع الكلمات أن تصف وجعها، ولا تستطيع الصور وحدها أن تنقل حجم المأساة التي تختبئ خلفها، مشاهد تختصر حكاية وطن أنهكته الحرب، ومدينة تُركت طويلاً تواجه أوجاعها، فيما يواصل أبناؤها دفع ثمن الصراع من أرواحهم وأحلامهم وبيوتهم ،في تعز، لم يعد الألم مجرد خبر عابر في نشرة إخبارية، ولم تعد المأساة رقماً يُضاف إلى إحصائيات الضحايا، بل أصبحت حكاية أبٍ يقف أمام أطلال منزله، ينظر إلى الركام الذي ابتلع أسرته، ويبحث بعينيه بين الحجارة عن شيءٍ يعيد إليه ما فقده ،رجلٌ لم يخسر جدراناً وسقفاً فحسب، بل خسر دفء البيت ووجوه أحبته وذكريات عمره، بعدما تحوّل منزله إلى أنقاض إثر قصف صاروخي من قبل مليشيات الحوثي، في مشهدٍ يختصر قسوة الحرب حين تنتزع من الإنسان كل شيء وتتركه وحيداً أمام الخراب .
وفي مشهدٍ آخر، أكثر وجعاً وأشد قسوة على الروح، تظهر امرأة من صبر في تعز، تحمل على ظهرها جثمان ابنتها التي سقطت إثر قذيفة أصابت منزل أسرتها أرسلتها مليشيات الحوثي الإرهابية، فيما خلّف القصف جرحى وأوجاعاً لا تنتهي ،تمضي الأم بجثمان ابنتها، مثقلة بالفقد، لكنها شامخة في مواجهة المصاب، كأنها تستمد من جبل صبر صلابته، وكأنها تقول للعالم إن الأمهات في تعز لا يحملن أبناءهن إلى الحياة وحدها، بل قد يجدن أنفسهن مضطرات إلى حملهم إلى مثواهم الأخير، حين تعجز الحماية وتغيب العدالة ويصبح الموت ضيفاً ثقيلاً على البيوت الآمنة في تعز أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل أمّاً تحمل ابنتها جثماناً بدلاً من أن تراها تكبر أمام عينيها؟ وأيُّ قسوةٍ هذه التي تجعل أباً يقف فوق أنقاض منزله، عاجزاً عن استعادة أسرته أو حتى استيعاب حجم الفاجعة، إنهما مشهدان من حكايات تعز الطويلة، حكايات المدنيين الذين يدفعون أثمان الحرب، والنساء والأطفال والأسر التي لا ينبغي أن تكون هدفاً للنيران، مهما اشتد الصراع أو تعددت أطرافه، ولكن هناك مليشيات لا تفرق ولا تكترث لأي شيء.
أين حقوق الإنسان مما يجري في تعز؟ وأين المنظمات الدولية والهيئات الإنسانية التي ترفع شعارات حماية المدنيين وصون كرامة الإنسان؟ أين الأمم المتحدة من هذا كله والتي باتت تسير اليوم الطائرات إلى مطار صنعاء دون أن تنظر لكوارث وجرائم تعز ،إن السؤال ليس ترفاً سياسياً ولا استجداءً للعطف، بل مطالبة مشروعة بأن تتحول المبادئ المعلنة إلى مواقف عملية، وأن تُوثَّق الانتهاكات وتُحقَّق الوقائع بصورة مستقلة، وأن يُحاسَب المسؤولون الحوثيون عن الجرائم التي تثبت الأدلة ارتكابها، وأن يُحمى المدنيون من القصف والاستهداف، وأن تصل إليهم المواد الغذائية والأدوية والمساعدات دون عوائق.
فتعز، التي عرفت معنى الصمود في أقسى الظروف، لا تحتاج إلى بيانات تضامن تنتهي بانتهاء نشرها، بل تحتاج إلى تحرك جاد يخفف معاناة سكانها، ويضمن حرية وصول الغذاء والدواء، ويفتح الطرق أمام المرضى والطلاب والعائلات، ويضع حداً لكل الممارسات المليشياتية الإجرامية التي تزيد الحصار والتضييق على حياة الناس وإذا كان سكان المدينة ومحيطها يُقدَّرون بالملايين، فإن حجم الكارثة الإنسانية يتطلب استجابة تتناسب مع حجم الاحتياج، لا أن تبقى معاناة الناس حبيسة التقارير المؤجلة والنداءات التي لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
تعز لا تطلب امتيازاً على بقية المدن اليمنية، ولا تريد أن تكون مأساتها مادة للمزايدات، بل تطالب بحقها في الحياة والأمن والكرامة، كما يطالب به كل إنسان في هذا العالم ،وفي خضم هذه المأساة، لا يمكن تجاهل ما تمثله المملكة العربية السعودية من أهمية في مساندة اليمن، وتعز خاصة وما قدمته عبر السنوات من دعم إنساني وإغاثي وتنموي، إلى جانب دعم الحكومة اليمنية ومؤسساتها، وما يرتبط بالموقف العسكري للتحالف في مواجهة الحوثيين. والموقف الإنساني والاقتصادي الذي لامثيل له، وقد مثّلت المساعدات السعودية الغذائية والطبية والإغاثية، عبر الجهات والبرامج المعنية، جانباً من جهود تخفيف معاناة اليمنيين في ظل الحرب كما أن دعم الحكومة اليمنية وتعزيز قدرتها على حماية المواطنين واستعادة مؤسسات الدولة يظلان من الملفات المهمة في مستقبل اليمن ،فالمساندة الحقيقية التي ينتظرها المواطن اليمني هي تلك المساندة السعودية التي لا ينكرها أحد ولا ينكرها الا جاحد وهي التي انعكس على حياة الناس أمنا وغذاءً ودواءً، ومن خلال ذلك ستفتح أمامه طريقاً للخلاص من الحرب التي فرضت عليه، وتمنحه فرصة للعيش في دولة تحميه وتصون حقوقه.
إن تعز تستحق أن تكون في صدارة الاهتمام الإنساني، وأن تتضافر الجهود السعودية العظيمة واليمنية والدولية من أجل تخفيف معاناة سكانها، ودعم الخدمات الصحية والإغاثية، وتأمين وصول المساعدات، والعمل على إنهاء الحصار الحوثي وليس من الإنصاف أن يُترك المواطن وحده في مواجهة قذيفة حوثية تهدم منزله، أو طريقٍ مغلق يحول دون وصول الدواء إلى مريض، أو واقعٍ يجعل الأسرة تخشى على أطفالها في كل لحظة.
إننا أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية تتجاوز حدود السياسة والحسابات العسكرية ،مسؤولية تفرض على الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية والإنسانية أن تتعامل مع معاناة تعز بجدية، وأن تعمل على حماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين الحوثيين عن الانتهاكات المثبتة، وأن تضع حداً لاستهداف الأحياء السكنية المكتظة بالسكان وتجويعهم أو حرمانهم من الاحتياجات الأساسية، كما تفرض على القوى جميعاً أن تجعل حياة الناس فوق خلافاتها، وأن تدرك أن الانتصار الذي لا يحمي طفلاً، ولا يصون أمّاً ولا يعيد الأمان إلى بيت، يظل انتصاراً ناقصاً في ميزان الوطن والإنسانية، تعز ليست مجرد مدينة محاصرة في جغرافيا اليمن إنها مدينة تحمل ذاكرة وطن، ووجوهاً لا تزال تنتظر العدالة، وأمهاتٍ يخبئن دموعهن خلف صبرٍ لا يشبهه صبر، وآباءً يقفون على الأطلال وكأنهم يسألون العالم بأي ذنبٍ خسرنا كل هذا؟ وستبقى صورة الأم التي تحمل جثمان ابنتها شاهدةً على أن للحروب وجوهاً لا تستطيع البيانات إخفاءها، وأن وراء كل قذيفة حكاية إنسانية تستحق أن تُروى، ووراء كل منزل مهدّم أسرة تستحق الإنصاف.
تعز تستحق الحياة ،وأهلها يستحقون الأمان، ودموع أمهاتها ليست أقل قيمة من دموع أي أم في هذا العالم.
** **
- نصيب محمد الحارثي