Tuesday 22/10/2013 Issue 14999 الثلاثاء 17 ذو الحجة 1434 العدد
22-10-2013

القابلية للتشظي

رحم الله مالك بن نبي الذي قال إن هناك شعوباً لديها قابلية للاستعمار، أي استعداد تلقائي لتقبل أي وضع كان حتى ولو كان مفروضاً من حكم أجنبي استعماري. وللرئيس الأمريكي بنجامين فرانكلين، الذي كُتب في عهده أول دستور أمريكي مقولة شهيرة بإن من يتخلون عن حريتهم الدائمة من أجل أمان مؤقت لا يستحقون لا الأمان ولا الحرية.

انقشع الاستعمار المباشر عن عالمنا العربي منذ عدة عقود، لكنه ترك دولاً عاجزة وغير قادرة على بناء نفسها دون الاعتماد عليه، وتسلمت إدارة الدول العربية لمرحلة ما بعد الاستعمار حكومات وطنية قومية حكمت شعوبها بأسلوب المستعمر ذاته، وبأدواته نفسها، لأنها لا تعرف غيرها، بل إنها كانت تعود له لمساعدتها كلما عجزت عن ذلك. معظم الدول العربية التي كانت مستعمرة في السابق ظلت وفيه لمستعمرها بعد الاستقلال الصوري عنه. وبقيت تلت وتعجن في شعوبها تحت شعارات براقة، ووعود معسولة وفشلت في بناء دول حقيقية، أو مجتمعات متماسكة، أو إنسان منتج.

الزمن أثبت أن الخلاص من المستعمر ليس أصعب ما في الأمر بل قد يكون الأسهل مهما كانت التضحيات لسبب واحد فقط هو أن الهدف بيِّن والطريق واضح، ولكن العجز والخطل ضرب هذه الأنظمة في مفصل عندما كان عليها تحديد أهداف واقعية قابلة للتحقيق بخطط واضحة قابلة للتطبيق للنهوض بشعوبها لاستقلال حقيقي. فالخلاص من الاستعمار كان هدماً لواقع كائن، وأما الحفاظ على الاستقلال فيتعلق ببناء الأوطان التي خلفها الاستعمار بناء على خطوط وطنية وقومية واضحة. وكان الاستعمار ذاته يعرف أن هذه الدول لا بد أن تحتاجه وتعود إليه للتخطيط والبناء. كما أثبت الاستعمار أن جميع الدول التي حكمتها قيادات ميليشيات التحرر آلت للفشل الذريع، ونجحت تلك التي سلمت إدارة دولها لخبراء البناء وتكنوقراط التنمية، وخبراء التشريع. أما القيادات التحريرية التي حكمت الدول العربية فلم تلبث أن يئست من البناء والوفاء بوعودها فانكفأت على بناء مصالحها الخاصة، ومصالح من تعول، وهذا هو الفرق بين حركات التحرر في بلدان كفيتنام، وجنوب إفريقيا، وحركات التحرر في بعض الدول الأخرى كليبيا، مثلا.

عندما تحكم الأقلية سواء كانت تلك أقلية حزبية، أو عسكرية أو غيرها فلا شيء يبقيها في مركزها إلا القوة العسكرية، والاستبداد البوليسي. ولذلك تسهل في هذه الدول عادة الانقلابات، ويتم قمع المجتمع وطمس اختلافاته واحتقاناته تحت الرقابة المركزية. بل إن مصالح الأقليات العسكرية الحاكمة قد تدفعها أحيانا لإذكاء الخلافات، وتأجيج الاحتقانات بأسلوب تغيير التحالفات المستمر. وهنا تسعى الأقليات لتفريق المجتمعات وشرذمتها من أجل السيطرة التامة عليها. فيبقى الوضع المحتقن قابل للتفجر في أي وقت وزمن.

ما حصل في دول ما يسمى الربيع العربي هو أن السلطات المركزية أطيح بها فبرزت للسطح قابلية الشعوب للتشرذم. فهذه الشعوب طيلة وجود الحكومات المركزية تعلمت، أو فلنقل عُلمت كيف تختلف فقط لا كيف تجتمع. وربط وجود فئات معينة من الشعب بزوال الفئات الأخرى. وقسمت الشعوب إلى كيانات أيدلوجية متخيلة: إسلاموية، أو ليبرالية، أو اشتراكية. ومن أهم سمات الفكر الإيديولوجي الاعتماد على تشجيع النظرة الطوباوية المنفصلة تماما عن الواقع فواقعها نفسي اجتماعي تغذيه الخطابات الرنانة، والشعارات البراقة، والنصوص اللغوية المتراكمة. الإيديولوجيات يصنعها وينظّر لها قلة مفكرة تحظى بثقة عمياء، وصورة مثالية هي أقرب ما تكون للكمال البشري المعصوم، فالعصمة الأبدية الموجودة في بعض المذاهب الدينية مسيحية كانت أو إسلامية يوجد مثلها عصمة سياسية تضفيها الجماهير المتحمسة على شخصيات سياسية، ونظرة الشعوب لشخوص مثل أتاتورك، ماو، كاسترو، الخ. تقارب التقديس والعصمة الدينية. هذه العصمة أيضاً تصيب هؤلاء القادة تدريجيا بتلبس هذه العصمة والعظمة حقيقة فيما يعرف بـ “الهوبرس سيندروم” أو جنون العظمة. فالحاكم العربي يبدأ مصلحا ملهما وينتهي بكونه عظيما معصوما.

ما حصل في دول الربيع العربي ليس طارئاً بل هو الوضع الطبيعي لشعوب زرعت بها القابلية للتشرذم، وهذا أمر واضح مما حصل بعد زوال السلطات المركزية. وهو بالنسبة للدول الكبرى حقيقة واقعة عليها التفاعل معها وتحقيق الاستفادة القصوى منها، وكل ما تفعله هذه الدول هو مساومة بعض الفرقاء لدعمهم ضد خصومهم. وأصبحت هذه الدول تستبق التغيرات التي تحصل في كيانات المنطقة لتدرس بمنطق الاحتمالات الأشكال التي يمكن أن تتشظى وتتقسم بها، وهي أمور غير جديدة ولا تحتاج لعبقرية، والأحداث التاريخية حبلى بها. فمن أهم عوامل تقسيم الأمم تاريخيا الاختلافات العرقية، والخلافات المذهبية، والاستئثار الاقتصادي، والعوامل الجغرافية. وحيث تكون هناك كيانات سياسة متوحدة بعد تفرق فأحرى بها أن تتفرق كما كانت سابقا كما يحصل في ليبيا، وربما اليمن. الدول الكبرى تتعلم سريعا من الأحداث وتدرسها وتحللها ولديها سيناريوهات مختلفة للتعامل معها، ولكن الأمر قد لا يكون كذلك بالنسبة لدول المنطقة ذاتها التي حري بها أن تتعلم مما يدور حولها. فالقابلية للانقسام توجد في أي كيان كان مهما كان متماسكا لأنها قوى تعمل عكس قوى الترابط وتساعدها على الوجود، وما تعمله الظروف التاريخية هي دعم قوة ضد أخرى، دعم التماسك أو دعم التفكك. وإهمال دعم عوامل تماسك المجتمعات يؤدي إلى استقواء عوامل تفككها. وقد يسأل سائل عن العوامل التي تؤدي لكبح تشرذم المجتمعات وتلك التي تسهم في تفككها. من أهم العوامل التي تؤدي لتماسك المجتمعات هو إحساس المواطنين بالعدالة النسبية، ووجود تشريعات تنصف الجميع، وحسن توزيع الثروات. ومن الأمور التي تضعف تماسك المجتمعات وتفضي لوضع قابل للتشظي: التهميش؛ استئثار فئة معينة دينية أو سياسية بالتشريع على حساب فئات أخرى؛ وسوء توزيع الثروة حيث تلجأ الفئات المهمشة للتكتلات الأيدلوجية المختلفة سواء علنا أو سرا. ما حصل في مصر مثلاً هو وضع متجذر للتشظي بين التيارات الإخوانية، والقومية والأقليات الأخرى، وتاريخ مصر السياسي الداخلي هو صراع مستمر بين هذه التيارات، وهي تيارات أسهم في خلقها الاستعمار البريطاني الذي أبدع في سياسات التفرقة بين الشعوب، فقد شجع الإخوان بداية ثم شجع المد القومي الذي قمعهم. وبدلا من أن تعالج الحكومات المتعاقبة هذه العوامل الخطيرة سعى بعضها لإذكائه فقد عمق أنور السادات، مثلا، هذا الشرخ عندما سمح للتيارات للإسلامية المتطفة بمهاجمة واستئصال التيارات اليسارية في عام 1977م فيما عرف بثورة الخبز، ثم ما لبث بعد عامين أن استقوى بالطرف الثاني للخلاص من الإخوان، وكان يعتقد أن ذلك من الحنكة السياسية، إلا أن الوضع المتشظي أساسا أدى إلى اغتيال السادات نفسه حيث شارك الإخوان والجيش في ذلك.

إذاً، ما يمكن أن نستنتجه هو أن ما حصل في دول الربيع العربي لم يكن وليد الساعة وإنما تحقق لوضع كامن سابق وقابلية متأصلة، وعلى بقية الدول التعلم من ذلك بأن تبادر إلى معالجة أوضاعها الداخلية بشكل يضعف أو يقضي على تفاقم عوامل التشظي قبل أن يكون الوقت متأخرا لذلك، فتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ الذي نتهم فيه دول خارجية هو في أساسه استغلال لظروف داخلية كامنة في مجتمعاتنا.

latifmohammed@hotmail.com

Twitter @drmalabdullatif- أستاذ في جامعة الملك سعود

 
مقالات أخرى للكاتب