Tuesday 22/10/2013 Issue 14999 الثلاثاء 17 ذو الحجة 1434 العدد
22-10-2013

تَقْمِيشَاتٌ من السِّيرةِ الذاتية..!

(واستقبل الفتى حَياته في مدينة (مونبلييه) سَعيداً بِها إلى أقْصَى ما تبلغُ السعادةُ، راضياً عنها كأحسن ما يكون الرضا. فقد حقق أملاً لم يكن يُقَدِّرُ أنه سيحققه في يوم من الأيام).

هكذا قال (طه حسين) في أيامه العذاب، حين قَدِم إلى (فرنسا) للدراسة، وكأنه بهذا القول يُجمْجِم عما في نفسي، حين قدمت إلى مصر للدراسة أيضاً، في مستهل العقد الثامن من الألفية الثانية للميلاد.

كان يوماً مشهوداً ذلك اليوم الذي دَخَلْتُ فيه مصر، وقرأت على بوابة المطار: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين). قدمت إليها، وفي نفسي أنها جنة الله في أرضه، مختزناً صوراً تراثية، وأخرى حديثة. وليس مهماً لديَّ أن يكون مبعث التصوُّر الخبرة أو التاريخ. كنت أفيض إعجاباً، وأتخيّل أنني قادم على جوف الفراء، كما يقول المثل العربي (كُلُّ الصَّيد في جَوْفِ الفراء).

كانت لمصر في مخيلتي ثلاث صور:

- الصورة الفرعونية، وتَجْسِيد الذكر الحكيم لها.

- الصورة الإسلامية، وتَفْصِيل التاريخ الإسلامي لها.

- الصورة المعاصرة، وتَضْخِيم الإعلام الثوري لها.

وقد كرّس هذه الصُّور سماعنا، وخلطتنا بالأزهريين الذين ابتعثوا للتدريس في المعاهد العلمية والكليّات، وكانوا من خيرة العلماء معرفة وطلاقة وسمتاً.

في مَمَرَّات المطار وصالاته بَدأت الصورُ الثلاث تذبل شيئاً فشيئاً، لتتشكّل صورة رابعة، هي صورة العيان،:- و(ليس الخبر كالعيان) و(وما راء كمن سمعا). لملمت شرودي، وخرجت مع زملائي، وكنا جميعا حُدَثاءُ عهد بمصر، لا نَدْرِي ما الأحياء، ولا الشوارع.

ومسافرون مِثْلنا يجهلون ما هم قادمون عليه، يلحُّون في الأسئلة، كنا قد عَهِدنا إلى سائق الأجرة أن يبلِّغنا فندق (قراند) وهو ملتقى السواح المتواضعين، ولم نلبث أن وصلنا إليه، وأكملنا إجراءات السكن، وذهب كل واحد منا إلى غرفته.

لم أجد في غرفتي ما كنت أحلم به، كانت كئيبة، أثاثها قديم، وهواؤها معتل لا عليل. حاولت الخلود إلى الراحة، لأنّ أمامنا مهمات جسام، تتعلّق بالسفارة، واستبدال العملة، ومراجعة الأزهر، والتعرُّف على القاعات والمواعيد، والحصول على ما تبقّى من المقررات التي لم تصل إلينا، ثم البحث عن سكن، يستوعبنا جميعاً، ويكون قريباً من الأزهر، ولم يكن بد من الاسترخاء على السرير، وقراءة ما تيسّر من الأوراد.كنا قد أكلنا في الطائرة عيش الكفاف، واتفقنا على الاكتفاء به، إذ لم نكن من ذوي اليسار، بحيث نطلب المزيد.

مرت تلك الليلة كأشد ما تكون الليالي عناءً، وتعباً، وغربة، ووحدة، وروائح لا تريح، ومصعداً يهتز بك كأنه جان. ولما أشرقت الأرض بنور ربها، اجتمعنا في البهو، ثم أخذنا طريقنا إلى المطعم، فوجبة الإفطار مجانية، وتواصينا على الشبع، لتجاوز وجبة الغداء، إذ ربما لا نفرغ لأنفسنا مع تكاثر المهمات. انطلق بنا السائق، كانت القاهرة تجتر بقايا العهد الملكي، إذ لم يُضِفْ لها العهد الجمهوري شيئاً يذكر، والزحام والتلوُّث في بدايتيهما. لن أفصل القول فيما لقيناه في مشاويرنا من عناء، وما عايشناه من إدارة فاشلة، ونظام إداري معقّد، أصاب بلادنا شَيْءٌ من دخنه، فنحن دولة لم تُسْتَعْمر، إذ نأت بها عن المطامع المقدّسات، والتصحُّر، وسياسة الاتقاء التي توسل بها الملك المؤسِّس، ومن ثم كانت إدارتنا، وعاداتنا، وأدبنا عربية خالصة العروبة،

قَدِمْتُ إلى مصر، وفي تَصَوُّري أنها بلد العمالقة، في الفكر، والفن، والأدب، وسائر شؤون الحياة. ومن ذا الذي لا يثيره ما يسمع عن أشيائها وإنسانها. لقد بَشِمَتْ أفكارنا من (صوت العرب) وبخاصة ما يكتبه (هيكل) لافتتاحية (جريدة الأهرام) يوم الجمعة، ثم يُتْلى بأجمل الأصوات، وأعذب الأساليب، وأمكر الحيل، وما تحمله (مجلة المصوّر) من جميل الصور، ورائع القول، وما تضيفه مجلتا (الهلال) و (الأزهر) من أفكار ينقض بعضها بعضاً. أحسست أنّ مصر الواقع غير مصر التوقع، لقد أنهكتها تصرّفات الفتية الذين كُنَّا نقرأ عنهم بأنهم (فتية آمنوا بربهم).

كانت القومية على أشدّها، والحرية في أوج تألُّقها، والاشتراكية في ذروة سطوعها، كل ذلك كان مع وقف التنفيذ. وبعد مجيئنا لم يكن ما كان على ما كنا نتصوّره.

لقد ثَوَى عمالقة الفكر والسياسة والأدب، وما بقي لم يكن بحجم من مضى.

كانت مصر منهكة من صراع الأجنحة، وحرب أكتوبر. وكان (السادات) أمام خيارات أحلاهما مر، لم يكن بد والحالة تلك من إعادة صياغة الصورة، ليلائم المسموع المرئي.

ذهبنا إلى الأزهر، وكنا نتصوّره قلعة من قلاع العلم الشرعي، والفكر الفلسفي، والأدب الأصيل، غير أنّا وجدناه متواضعاً، لم يسترد أنفاسه في أعقابِ ضربات الثوريين الذين سَخِروا بعلمائه، واستخفّوا بتاريخه، حتى لقد سمعنا من يقول: (ننتزع الفتيا بفرخة) كان مليئاًَ بالعلماء والأدباء، وهو بحق حصن اللغة، وملاذ الشرع، ولكنه جاء في زمن غير مواتٍ، ولسان حاله يردد مع المتنبي:-

(أتى الزَّمانَ بنوه في شبيبته:

فَسَرَّهم وأتيناه على الهرم)

دخلنا أروقة (كلية اللغة العربية) على استحياء، وتساءلنا عن شؤون الدارسين، لنستبين ما نحن عليه، فما يصل إلينا في بلادنا، لا يروي غليلنا. لقد أحسسنا أننا نمارس حركة (مكوكية) كل كاتب يُسْلمنا لآخر، وساورنا الشك في أمر هؤلاء، أهو (الروتين) القاتل، أم (البيروقراطية) المسرفة، أم هو الجهل المُطْبِق بأبسط علوم الإدارة. مرّت الأيام الثلاثة، ونحن نطارد سراب القيعان، ولمّا أصبح عندنا علمٌ من الكتاب، وأتقنّا لعبة الاستمالة، جاءت الأمور إلينا تجرجر أذيالها. بعد هذا فرغنا لأنفسنا، وعُجْنا نَسْأل عن المقاهي، والمشاوي، والمنتزهات، والآثار، وشواطئ النيل الجميلة، والمكتبات الزاخرة بالكتب المؤلّفة والمترجمة والمحقّقة. لقد بدأنا نكتشف مصر على حقيقتها، سألنا عن بيوت العمالقة الأحياء منهم والأموات، ومنتديات الجهابذة: (محمود شاكر) بتراثيته و(مصطفى محمود) بتفكيره واستنباطاته و (نجيب محفوظ) بفنياته، وعن بيوت الراحلين (طه حسين) و (عباس محمود العقاد) و (أحمد شوقي) كرمة ابن هاني،

والمكتبات (مدبولي) و (دار المعارف) و (دار الكتب) وبعض الناشرين والمحقّقين، وعن سراحين اللغة الثلاثة (محمد وعبداللطيف وعبدالسلام سرحان). لقد أحسسننا أنّ مصر أُمّ الدنيا، ولكنها ليست كما يصوّرها إعلامها الثوري، فيها الفوضى، والتلوُّث، والازدحام، واللامبالاة، والفضول، والثرثرة. لقد تذكّرت رواية نجيب محفوظ (ثرثرة فوق النيل) ورواية غازي القصيبي (شقة الحرية) ومقولة أبي الطيب المتنبي في قصيدته الظالمة لمصر وأهلها:

(جودُ الرجال من الأيدي وجودهم

من اللسان فلا كانوا ولا الجودُ)

إنها مصر الصاخبة التي لا تحكمها صِفَةٌ، ولا يستوعبها واصِفٌ، وشأنها كشأن (الكوفة) التي قال عنها أحد الوافدين إليها:

(دَخَلْنا الكوفة بليل فذهب الأخيارُ إلى الأخيار، وذَهب الأشرارُ إلى الأشرار)

لقد تلاعبت بمشاعرنا، فحيناً نزهو حتى نظن أننا كممدوح أبي الطيب الذي يقول له:-

(تَرَكْتَنِي أَصْحب الدنيا بِلا أَملِ)

وحيناً نخبو، ونتضاءل، ونكون كالمتحسّر على واقعه: (وبقيت في خَلفٍ كجلدِ الأَجْربِ).

إنها مصر المتفلتة على كل الحسابات، مصر العلم والعلماء، والفن، والفنانين، والإعلام والإعلاميين. ومنذ ذلك الحين، وأنا أُلِمُّ بها في كل عام مرةً، أو مرتين، سائحاً يبحث عن اللهوِ البريء، أو مؤتمراً يلتمس الوفاق العَصِيَّ. أذهب إليها بُجْر الحقائب، وأعود منها مَلِيء العياب تستهويني مطاعمها، وتستميلني مقاهيها، ويُسَلِّيني فضول مُعْسريها الذين يعيشون للحظتهم، لا تشغلهم سياسة، ولا تلهيهم تجارة، ولا بيع عن جلسات السمر حتى الهزيع الأخير من الليل في مداخل العمارات أو (بدروماتها).

أما الريف فَعَالمٌ آخر، لاَ يمُتُّ بصلةٍ إلى صَخَبِ المُدُن وفُضُولِها، وسيكون له ولرحلاتٍ لاحقةٍ أحاديث أخرى.

Dr.howimalhassan@gmail.com

 
مقالات أخرى للكاتب