Wednesday 23/10/2013 Issue 15000 الاربعاء 18 ذو الحجة 1434 العدد
23-10-2013

غرناطة الأندلس وبريدة القصيم

منذ أيام كنت في مدينة غرناطة الأندلس، هذه المدينة التي يقال إن عمرها يزيد عن (4000) سنة، والتي كانت عاصمة لعدة ممالك في تاريخها، ومع ذلك لا يزيد عدد سكانها عن (380000) نسمة، ويزورها من السياح أضعاف هذا الرقم سنوياً . في هذه المدينة قانون صارم فيما يخص حماية طبيعتها الأثرية، فلا يجوز هدم جدار واحد في منزل في المنطقة المحمية (البيسين) بدون إذن وإشراف من البلدية، كذلك لايجوز ترميم أو تصليح أي نافذة أو باب دون ذلك التصريح، وفي باقي المدينة خارج المنطقة المحمية هناك تنظيم آخر يفرض نمطاً من البناء ينسجم مع نمط المنطقة المحمية، حتى تبدو المدينة متجانسة التكوين. هذه الملاحظة ليست ما أثار اهتمامي، بل إن ما أثار اهتمامي أن البلدية لا ترغب في زيادة عدد سكان المدينة، فعمدت إلى عدد من الإجراءات للحد من البناء وكذلك الحد من ارتفاعات المباني، والسبب هو أن مرافق المدينة وبنيتها التحتية لا تسمح بمزيد من التوسع.

عشت طفولتي وشبابي بمدينة بريدة وأذكر أنني وبعض من الزملاء في المتوسطة قد عقدنا العزم على أن ندور مشياً حول المدينة الهادئة، فاستغرق ذلك أقل من ثلاث ساعات . كان عدد سكان بريدة في ذلك العام (1391هـ) لا يزيد عن (50000) نسمة، وعندما أتذكر ذلك وأزورها اليوم أجد الفارق هائل، هذه المدينة لا يزيد عمرها عن (500) سنة ومع ذلك سكانها اليوم يقاربون (800000) نسمة، فهي أكبر من غرناطة بحوالي الضعف، ولكن لو قارنا المدينتين فالفارق هائل لصالح المدينة القديمة في كل النواحي، الخدمات العامة والمظهر المعماري للمدينة وسلامة الطرق والأرصفة والنظافة والنظام المروري والطقس بلاشك، لا أريد أن أشمل السكان في المفارقة (فالقصمان في نظري أجمل وأرق و أكرم من الأسبان).

المفارقة بين المدينتين جعلتني أسأل عن ما يصرف على الفرد كتكلفة خدمات وأعمال بلدية في غرناطة وقارنت ذلك مع ما يصرف على الفرد كتكلفة خدمات وأعمال بلدية ببريدة فوجدت الفارق كبير ويكاد يقارب الضعفين حيث هي (75) يورو أي ما يعادل (380) ريال تقريباً في غرناطة حسب ما رواه لي الدليل السياحي و(1100) ريال تقريباً في بريدة حسب بيانات وزارة المالية. فلماذا يصرف في بريدة الضعفين ولا تحصل المدينة على ما يليق بهذا المبلغ من جمال وحسن تدبير، هل هو إسراف في غير مكانه أم أن جودة العمل في بريدة رديئة ومكلفة، أنا لست خبيرا بالشؤون البلدية ولست خبيرا بتخطيط المدن، ولكن لدي نظرة ناقدة للواقع، وأكاد أجزم أن هناك خللاً ما يجعل التكلفة في أعمال الحكومة وخدماتها مكلفة بصورة غير مقبولة، هذا الكلام شبه عام وشامل لجميع مدن المملكة وما بريدة إلا مثال أعرفة جيداً، ولو عقدت نفس المقارنة بين الرياض وبين مدريد فالنتيجة واحدة إن لم تكن أكثر إثارة للاستغراب.

كثير من السعوديين يسافرون خارج بلادنا للسياحة أو الدراسة أو أغراض أخرى ويشاهدون ويشعرون بالغيرة مما يشاهدون في تلك البلاد، ولهم الحق في أن يتساءلوا «لماذا لا يكون لدينا مثل ما لديهم؟» شوارع نظيفة وساحات جميلة ومرافق خدمات عامة منتشرة ومنتزهات مريحة، فهل العلة فينا كشعب أم العلة في مدننا ومن يديرها، أعتقد أن كل من يقرأ هذا سيسأل هذا السؤال.

mindsbeat@mail.com

Twitter @mmabalkhail

مقالات أخرى للكاتب