Friday 01/11/2013 Issue 15009 الجمعة 27 ذو الحجة 1434 العدد
01-11-2013

قدرة الله في مخلوقاته: القلب

هل جَلس شخص منا يتفكر في نفسه، وما أودع الله فيها من أسرار وعجائب، ومنها القلب ومكانته، إذ إن الله خلق الإنسان، وميّزه بالعقل والإدراك، وكلّفه بالشرائع ليعبد ربه كما أمره، وتصديقاً برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. يقول عليه الصلاة والسلام: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” متفق عليه.

فالقلب دوران في الجسد، ظاهر يدركه الأطباء بالدورة الدموية، وباطن لا يدركه إلا من أنار الله بصيرته، بفهم الرسالة المحمدية، وإدراك شرع الله وتمثّل ذلك عملاً.. فالقلب فيه صلاح للجسد كله، كما أخبر بذلك رسول الله، ولذا فإن بعض العلماء المدركين، دعوتهم أصلح الله قلبك، فالقلب فيه صلاح للجسد كله للحديث الذي مرّ.

وهذا من معجزات النبوة وصدق الرسالة بالإخبار عن شيء مهما تقدمت القدرة البشرية لا تتجاوز مدلوله. كما أخبر الله تبارك وتعالى أن القلب هو موطن العقل والتبصّر فقال سبحانه في سورة الحج في مقام الرد على المشركين المكذبين لرسالة محمد عليه الصلاة والسلام: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (46) سورة الحـج.

يقول الشيخ الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان: والآية تدل على أن محل العقل في القلب، ومحل السمع في الأذن، فما يزعمه الفلاسفة أن محل العقل الدماغ باطل، كما أوضحنا في غير هذا الموضع، وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلا في الانسان، لأنه زماني فقط، لا مكاني، فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى.

فإذا كانت هذه الكتلة اللحمية، الصغيرة في أجسامنا، هي التي اختصها الله بالفهم والتعّقل، وعنها ينبع الإدراك والاستيعاب، فإننا نلاحظ أهمية وجودها في الجسم، وحفظها بمكان حصين، حيث تحوطها أجزاء الجسم كله محافظة ودفاعاً.

ففي المحافظة جعل لها القفص الصدري أماناً، ليدفع عن القلب كل ضرب أو صدمة، قد تأتي إليه، أو تؤثر فيه، فهو يضمن مكاناً واسعاً ومطمئناً ليعمل فيه براحة، كما أن وجوده في وسط الجسم، وفي القسم العلوي منه، ويحيط به فراغات، كل هذا مما يجعل الحماية أمكن.

أما في مجال الدفاع عنه، فإن الحواس كلها واليدين، تكوّن حراسة على هذا القلب، الذي هو سر الحياة في الإنسان؛ إذ بتوقفه تقف الحياة في الجسد، ويتحول إلى جثّة هامدة.

إن حياة القلب بالفهم والإدراك، تعني حياة الإحساس والوعي، وهذا سر من أسرار النّفس البشرية الكثيرة، والتي لا يدركها إلا من كان قلبه عاقلاً وفؤاده متيقظاً، وهذا هو الفرق بين قلب المدرك المستجيب، والحيوان غير المكلف (يراجع أضواء البيان للشيخ الشنقيطي 5: 715) ومن باب المحسوس بالمعقول، نري العسكريين وغيرهم، ممن يتعرّضون للمخاطر وإطلاق نار، يلبس كل واحد سترة واقية من الرصاص وغيره، حفاظاً على الصدر الذي فيه القلب.

أما السّرّ العلمي الذي يظهر لذوي الاختصاص، فهو في ما أودعه الله سبحانه، في هذا القلب من حركة دائبة في القبض والانبساط، وطريقة محكمة في الضّخّ والتوزيع.

فكما أن القلب سيّد الجوارح وملكها، كما يقولون، فإن إدراكه يسيطر عليها جميعاً، وتجعله بتقدير العزيز الحكيم، توجيهاً لما يجب أن تعمله، حسبما يملى عليها، أو يُلقى من توجيهات.

وقد شبهوه بالملك، لأن أوامره مطاعة في الجسم، كما تطاع أوامر الملك في رعيته.

هذا القلب الذي هو عضلة صغيرة، في حجم قبضة اليد تقريباً، قد جعل الله فيه خاصية عجيبة في تكوينه وعمله، فلا تستطيع أن تقوم بمثل عمله الأجهزة الضخمة والمعقدة، فيما لو حاول البشر أن يستبدلوا عمله، بأجهزة من صنعهم، إذ قد حاولت جامعة “اكسفورد” في بريطانيا في تجارب فعجزوا عن توفير البديل، فسبحان من خلق فسوى وقدر فهدى”.

وبالنظر في تشريحه التكويني، فهو من عضلات تختلف عن لحم الجسم، لأنه مكوّن من جزأين أيمن وأيسر، بينهما حاجز طولي، وبكل واحد من هذين الجزأين، حجرتان صغيرتان، تتوصّل العليا بالسفلى بواسطة ثُقب ينزل معه الدم، له خاصية في الأخذ والعطاء يسمى علمياً بالصمام، وفي كل جانب صمام. فالجزء الأول يتركب من الأُذين الأيمن، والبطين الأيمن، والجزء الأيسر، يتركب من الأُذين الأيسر، والبطين الأيسر، وهذه هي التسمية العلمية.

ودقات القلب لا تخفى على كل منا معاشر البشر، فنحن نُحسُّ بها، تلك الحركة الدائبة ليلاً ونهاراً، في النوم ومع اليقظة، وتزداد الضربات هذه كلما قام الجسم بمجهود، لأن أجزاء الجسم تحتاج لزيادة الدم ونشاطه، والقلب يلبي ذلك بزيادة الطاقة في العمل تلقائياً.

وهذه الدقات تعني الانضباط والانبساط، فإذا انقبض الأُذَينَان وهما الحجرتان العلويتان من القلب اندفع الدم عبر الصمامين إلى البطينين، وهما الحجرتان السفليان من القلب أيضاً.

وبدورهما ينقبضان أيضاً، فيندفع الدم الذي جاء للقلب، إلى الشريان الرئوي، حيث يتم تخلص الدم من ثاني أكسيد الكربون، ويأخذ الأوكسجين من الرئتين في عملية تصفية وتنقية، وتجديد دائم لضمان سلامة الجسم من المؤثرات.

ذلك أن الرئتين بمثابة منظف للدم بإزالة الضار منه، وإخراجه من الجسم، وتزويده بالصالح المجدد لنشاطه ونظافته، ليرجع الدم من الرئتين نقياً، مرة أخرى للقلب، حيث يوزّعه بهذه الطريقة على سائر الجسد.

والقلب لا يهدأ في عمله لا ليلاً ولا نهاراً، وتوقّفه إيذاناً بالموت، ولذا نرى من حرص الأمهات والجدّات على فلذات أكبادهن، إذا ناموا وطال نومهم، يضعن أيديهن على القلب هل تحس بنبضه، أو تسمع النبضات بالأذن في محاولة لسماع دقات القلب، لضمان الحياة.

لكن مفهوم الشاعر عن دقات القلب، تفيد العدّ العمري حيث جاء قولهم:

دقات قلب المرء قائلة له

إن الحياة دقائق وثواني

ويلاحظ الدارس علمياً أن هناك دورتين دمويتين، كليهما تسعى جاهدة وبتقدير العزيز العليم سبحانه، إلى حماية هذا الجسم، وتأمين الغذاء له والراحة، بسهولة ويسر.

الأولى: تعرف بالدورة الدموية الصغرى، أو الدورة الرئوية، وفيها يمرّ الدم من البطين الأيمن إلى الرئتين، ثم يعود إلى الأُذين الأيسر.

والثانية: تعرف بالدورة الدموية الكبرى، وفيها يمرّ الدم من البطين الأيسر في الأوردة، إلى بقية أجزاء الجسم، ثم يعود إلى الأذين الأيمن، بواسطة الوريدين الأجوفين.

هذا بعض ما تذكره الكتب العلمية الطبية، في مادة الأحياء، أو في التشريح الطبي، والحديث في القلب ومكانته، ودورة الدم، وأعماله كثير ومتسع، وكذا دوران الأدوية الطبية، في الجسم، ولا يختلط بعضها ببعض في الاتجاه لما يعيّنه الطبيب له للاستشفاء، فسبحان من أعطى كل خلقه ثم هدى، مما يقف العقل أمامه وأسراره ودقته، ومكانته كدورة الدم، مما يدل على عظمة الخالق وحمايته لأجسامنا ونحن عنه غافلون مما يستوجب الشكر لله على نعمه الكثيرة، مما يدل على عظمة الخالق، وما أودع في أجسامنا من عجائب وغرائب.

فهذا الجهاز المحكم في عمله الصغير في حجمه - وهو القلب - فيه خصائص كثيرة في التحمّل والعمل، الذي يمتاز بخصائص في التركيب، وقدرة على العمل.

إلى جانب المميزات في التركيب والقدرة على العمل الدؤوب، بدون أخطاء لأن عناية الرب الكريم العظيم، تكلأه، وقد جعل سبحانه في هذا القلب خصائص في مادته وتركيبه والقدرة على التحمل، فلقد تحدثتُ مع أحد كبار الجراحين في القلب، فقال: إنني أشعر بعظمة الخالق وقدرته عندما أفتح قلب المريض، لإجراء العملية فيه، بما يتراءى أمامي من أسرار متعددة، تتكشف أمامي، وأنا الذي أمضيت عمري في البحث عن أسرار هذا القلب علاجياً.

ففي بعض العمليات أشعر بأن النجاح 100%، ثم أفاجأ بالفشل، لحدوث شيء لم أتوقعه، وبالعكس فقد أجري عملية لمريض، أتوقع وفاته، في هذا العملية، وأفاجأ بنجاحها وسلامة المريض، إنها قدرة الله التي لا تحدّ، وعنايته التي يقف دونها البشر، وكان هذا دَيْناً ملتزماً لما مرّ عليه من أمور فوق طاقة أمهر طبيب: نجاحاً أو فشلاً.

فسبحان من قدّر هذا وأحكمه وأتقنه، وقد أمرنا سبحانه بالتفكر في أنفسنا أولاً بقوله الكريم {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (21) سورة الذاريات.

mshuwaier@hotmail.com

مقالات أخرى للكاتب