Tuesday 08/07/2014 Issue 15258 الثلاثاء 10 رمضان 1435 العدد
08-07-2014

أبناؤنا .. وثقافة الموت

عام 1967 بعد إعلان الحرب مع إسرائيل رفع مجموعة من الشباب السعودي زملائنا في الجامعة الأمريكية في بيروت طلباً إلى الملك فيصل بن عبد العزيز للسماح لهم بالتطوع ومحاربة العدو. هؤلاء كانوا أنجال عائلات معروفة علّمهم آباءهم أن فلسطين جرح عربي إسلامي لا بد من علاجه. وهو نفس ما آمن به الملك فيصل وعلمه لأبنائه، ولذلك سرعان ما جاءت الموافقة من المقام السامي على طلبهم، مع ترتيب أن يتوجهوا إلى تبوك ليتم تدريبهم عسكرياً قبل ولوج الميدان. حرب الـ67 انتهت في 6 أيام ولذلك لم يتعد الشباب ساحة التدريب في القاعدة بتبوك حيث أنهوا الدورة وعادوا إلى أسرهم ودراستهم.

كان الأمر واضحًا وأبويًا نقيًا من الشوائب وأي نتائج غير محسوبة.

لاحقًا ربما أخطأنا في تشجيع الراغبين في الجهاد أيام حرب أفغانستان، وبتشجيع من الغرب، ولم نحسب حسابًا للنتائج. حيث هؤلاء هم من كونوا بذرة «القاعدة»، وبرروا استمتاعهم بالمغامرة وممارستهم لمهارات التفجير بأنها في خدمة مطلب ديني جهادي يثأر من إذلال الكفار للمسلمين. ذهبوا بمباركة قصيرة النظر. وتكرر السيناريو في البوسنة.

الأمر يختلف الآن. الشباب «المجاهد» الذين تلقوا تدريباتهم وتعليماتهم بالخفية ثم تسللوا عبر الحدود، ليس لاستعادة فلسطين أو الدفاع عن حق مشروع، بل إلى بلاد لم تعلن الحرب؛ غالبًا دولة جوار عربية ومسلمة تعاني جراح أوضاعها وتصدعاتها الخاصة، كما حدث في العراق بعد دخول الأمريكيين والآن في سوريا. وقد تطال الأردن ولبنان والخليج لو تم لداعش ما تحلم به فخارطة الخلافة المحتملة ترسم عالميًا.

الشباب المنضم لـ»داعش» صناعتنا.جيل ضيعته كما ضيعت آباءه أربعة عقود من الأدلجة واختطاف التعليم أنتجت جيلاً ملتبس الهوية؛ يهرب من مسؤوليات بناء الوطن إلى تدمير أوطان الآخرين. والآن نواجه النتائج..

الإرهاب العابر للحدود لا يدمر فقط أوطان الآخرين المتصدعة أصلاً، بل يرتد كالرصاص الطائش إلى الوطن الأم. وفي حين تبكي أم فلان لأن ابنها المراهق استجاب لنداءات شيوخ التأجيج والداعين لنصرة الإخوان، فتسلل دون وداع.. من نلوم على ما حدث؟ المعسكرات الصيفية التي قولبته؟ أم الخطب التي وجهت قراره، أم فخر والده بـ»جدية» ابنه؟ أم الذين دسوا ثقافة تبجيل الموت في مناهج الصغار والشباب وانحرفوا بها إلى ثقافة الموت منذ الثمانينات؟ وماذا نعمل بالشباب الذين تحت مسمى الجهاد تلقوا سراً الكثير من التدريب في فنون التدمير دون أن يكون ذلك تحت مظلة مقننة يستدعيه الولاء للوطن؟

ما العمل مع المواطنين الذين قرروا الانضمام إلى المنظمات الإرهابية أو دعمها بالتمويل المستتر بطريقة أو بأخرى، أو انضموا في خلايا إرهابية نائمة قابلة للاستيقاظ والتدمير متى وصلها الأمر بذلك؟ سؤال مصيري لا نواجه تداعياته نحن فقط في البلاد العربية، بل أمسى سؤالاً مطروحاً في الدول القريبة والبعيدة شرقاً وغرباً، خاصة بعد أن وجد مواطنون من دول شرقية وأوروبية ضمن المسلحين في داعش يحاربون في سوريا والعراق.

هذه الدول لا تتسامح مع الإرهابيين حتى لو كانوا من مواطنيها وحملة أوراقها الثبوتية، تعتبر أنهم بمجرد الانتماء إلى منظمات إرهابية أصبحوا في عداد مرتكبي الخيانة العظمى.

أما نحن فمتهمون بتشجيع الإرهاب وبتصدير ثقافة «التفجير» إلى العالم كله. طبعاً ليس كلنا فعل ذلك، ولكن واضح أننا كلنا موصومون بهذه التهمة.

يصبح السؤال الأهم :كيف نعالج تسمم عقول أبنائنا ونوقف احتمالات المزيد من التسمم؟ الفاعل ليس في الخارج. ولكن أي عدو يتربص في الخارج يستغل نقاط ضعفنا نحن في الداخل. ما يجب أن نفعله هو سرعة إيقاف المسببات الجذرية وردم فجوة الوقت الضائع.

علينا أن نفكك أطر «ثقافة الموت» ونستعيد التوازن و»ثقافة الحياة». وأن نعلم صغارنا متعة العمل بأيديهم قبل أن يكتشفوها في تركيب الأسلحة وتلغيم أنفسهم تحت توجيه وتدريب من لا يشعر نحوهم بعاطفة الأبوة أو حنان الأمومة.

مقالات أخرى للكاتب