Wednesday 30/04/2014 Issue 15189 الاربعاء 01 رجب 1435 العدد
30-04-2014

وزير المياه الذي جفَّ حلقه

جفَّ حلق الوزير بسبب تكرار التحذير والتذكير بالأمن الوطني المائي.

لدي قناعة شخصية بأنه لا يوجد عندنا وزير مهموم بما هو مسؤول عنه أكثر من عبدالله الحصين، وزيرنا للكهرباء والمياه. حتى لا يتقوّل علي أحد بتخيّل مصلحة ما، سوف أقطع الطريق عليه وأؤكّد أن معرفتي الشخصية بالوزير عبدالله الحصين لا تتعدى مقابلة واحدة في ندوة نظّمتها جريدة الجزيرة، وقليلا ً من المكالمات الهاتفية لتبادل المعلومات حول قضايا الكهرباء والمياه.

اسمحوا لي أن أزعم بأن علاقاتي الشخصية بالمسؤولين ليست أكبر كثيراً من الصفر، لكنني ربما أعرف عنهم بالاستقراء والاستنتاج والمتابعة ما فيه الكفاية عن أدائهم واهتمامهم بالمسؤولية.

يكثر المسؤولون الكبار عندنا من الظهور على وسائل الإعلام وإعطاء التصريحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، لأنها بدون أرقام، مجرد سجع إعلامي يبيّض وجه القائل ولا يلزمه بشيء، ولا يترك خلفه دلالات إيجابية أو سلبية.

روعة المظهر الخارجي في وسائل الإعلام لها أيضاً دلالاتها على شخصية المسؤول الكبير، وكلما كان يرتدي ما خفَّ حمله وتواضع ثمنه كان أقرب إلى البساطة والصدق.

وزير الكهرباء والمياه السعودي رجل بسيط في مظهره الخارجي، يشعرك بأنه مواطن مثلك وبأنه يريدك أن تعرف ذلك. الأهم من ذلك أن الوزير الحصين ليس كثير الحضور إعلامياً، لكنه إذا حضر يأتي بميزتين لا تتوفران في أغلب المسؤولين الكبار.

هو أولاً لا يثرثر أو يجامل أو يمدح، وثانياً يدعم كلامه بالأرقام وبالنتائج التي تترتب على هذه الأرقام إن استمرت بدون حلول.

الهم الأكبر لوزير الكهرباء والمياه ليس الكهرباء، حتى لو أن النمط الاستهلاكي لها ينم عن تفريط لا يمكن استمرار التعامل معه بدون إجراءات تصحيحية موجعة. الهم الأكبر هم الأمن المائي، الذي إن فقدناه فقدنا كل مقومات الحياة، حسب تحذيرات الوزير المتكررة.

في كل فرصة تُتاح له، وهو كما قلت ليس كثير الظهور الإعلامي، لا يفوته أن ينبه ويحذِّر من التفريط بالأمن المائي لهذه البلاد الصحراوية. الوزارة تبذل جهوداً جبارة لإقامة محطات التحلية بالعشرات، واستغلال مياه الأمطار الموسمية القليلة واحتجازها في السدود، وبناء المزيد من السدود الجديدة حسب أقصى الإمكانيات المتاحة، لكن ذلك كله لا يضمن ولا نسبة مئوية صغيرة من أمننا المائي.

الضامن الوحيد بعد الله، للأمن الوطني المائي هو بقاء مخزون الأرض الجوفي من المياه، أو ما تبقى منه آمناً من الاستنزاف الجائر.

هذا المخزون تعرض في الماضي لعدة عقود للاستغلال في زراعة القمح، ثم اكتشفنا أن الموضوع تفريط كان يتم لإثراء أشخاص على حساب الأمن المائي للمواطن.

عندما تم بعد جهد جهيد إيقاف زراعة القمح انتقل المتربحون على حساب الأمن المائي إلى زراعة الأعلاف الحيوانية.

الهدف كما يقولون هو الأمن الغذائي وعدم الخضوع للابتزاز من قِبل الدول المصدرة للأغذية الحيوانية والنباتية. يقبع داخل هذا الزعم استنزاف هائل ومرعب لمخزوننا من المياه الجوفية.

لا يوجد في زراعة الأعلاف هدف مقنع لضمان الأمن الغذائي، بقدر ما فيه من التربح على حساب ما هو أهم من الغذاء وسابق لكل أنواع الأمن وهو الماء.

الأرقام التي يعيدها ويكررها وزير الكهرباء والمياه أصبحت معروفة للجميع ومخيفة، بل ومرعبة. لذلك بدأ حلق وزير المياه يجف من كثرة الصراخ، لعل وعسى.

وزير الكهرباء والمياه مسؤول مخلص للأمانة التي في عنقه، لكنه يحتاج إلى آذان تصغي وعقول تقبل بالقرارات المصيرية الصعبة.

- الرياض

مقالات أخرى للكاتب