Friday 04/07/2014 Issue 15254 الجمعة 06 رمضان 1435 العدد
04-07-2014

هل يحقق الصوم صحة الروح والبدن معاً؟

صيام رمضان ليس ثالث أركان الإسلام فقط، بل هو عبادة ذات قدسية خاصة. ألم يخبرنا رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام بما أوحى إليه ربه عز وجل بأن (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به. ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي) -رواه البخاري.

هذا السموّ الروحاني إذا ارتقى إليه المسلم الصائم يسبغ عليه صحة الروح ويكسب من ورائه فوق ذلك صحة البدن.. وما هو مطلوب ليس بالشيء الكثير، ولا يلزم له مشقة تفوق الطاقة ولا غلوّ. نحن جميعاً نقوم فعلاً بأداء شعيرة الصيام، فنمسك عن الطعام والشراب وما نشتهيه من الملذات منذ طلوع الفجر وحتى أذان المغرب، ونصلي الفروض.. إذن نكون من حيث الإجراء أدينا فريضة الصوم.. فما هو المطلوب غير ذلك؟.. إن هناك سلوكيات يمارسها البعض منا، قد لا تبطل الصوم من حيث الشكل، ولكنها تسلبه كثيراً من روحانيته وتقصر بالصائم عن بلوغ ذلك السموّ الروحاني الذي يليق بعبادة اختصّها الله لنفسه، فهو يخسر شيئاً من صحة الروح وفوق ذلك من صحة البدن. نماذج من هذه السلوكيات تبدو كالتالي:

- في تقرير لوكالة الأنباء السعودية (الجزيرة في 22-8-1435هـ) أن (شهر شعبان شهد ارتفاعاً في وتيرة الطلب على السلع الغذائية والاستهلاكية الرمضانية إلى أضعاف ما كانت عليه في الشهور السابقة، لذا عملت المجمعات التجارية على فتح المزيد من نقاط البيع والموظفين لمنع حدوث التزاحم). في الكثير من البيوت تتحول هذه السلع إلى موائد عامرة بأصناف الطعام الدسم والحلو وبكميات تفيض عن الحاجة ويُرمى الباقي منها. ونشرت صحيفة الشرق الأوسط (26-8-1435هـ) تقارير عن إقامة الخيمات الرمضانية في كثير من الفنادق التي تعرض أشهى وأفخم بوفيهات الإفطار والسحور. المحصلة من كل هذا إسراف مبالغ فيه وإفراط في الطعام مضرّ بالصحة، فكأننا بهذا النَّهم نمحو في الليل ما كتبناه بالصيام في النهار.. أي أننا أضعنا شيئاً من القيمة الروحية التي كسبناها بالصبر على حرمان النفس من لذة الأكل والشرب من أجل خالق هذه النفس، وأضعنا كذلك فرصة التحكم في نظامنا الغذائي اليومي، ومن ثم إراحة أجسامنا.

- بعض الصائمين يصوم عن المتع البدنية (من أكل وشرب ومشتَهَيات أخرى) ويرى أن هذا غاية الصوم.. لكنه لا يرى بأساً في مواصلة عادات غير حسنة اعتاد عليها في غير رمضان.. فهو قد يغتاب أو يكذب أو يدّعي ما ليس له.. وفي هذا حديث مشهور رواه البخاري نصه: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه). ربما تكون هذه مسألة تربوية عميقة، ولكن التوعية والتذكير الدائم بأنها تفسد الصوم ستكون معالجة مجدية.

- بعض الصائمين قليل الإنتاج في العمل، وعصبي وضيق الصدر مع الناس، متعلّلاً دائماً بأنه صائم.. وربما يكون للسهر الطويل دور في ذلك. لا شك أن الأفضل هو تقليل السهر، وترتيب وقت للنوم يكون في وسط النهار - وهي الفترة التي يبدأ فيها الشعور بالجوع وتعكّر المزاج (عند البعض وليس الكل!). من يستطيع ذلك؟.. ربة البيت: نعم، وكذلك الطالب أو الموظف المجاز.. أما الموظف العامل من العاشرة صباحاً حتى الثالثة أو الرابعة عصراً فلا يمكنه ذلك، إلا أن يكون الدوام مرناً في أطرافه: أي يبدأ للبعض من الثامنة صباحاً - مثلاً - حتى الواحدة ظهراً، وللبعض الآخر من العاشرة صباحاً حتى الثالثة عصراً.. هذا الدوام (المنزلق) صعب تنظيمياً، ولكنه يراعي أحوال الناس وأمزجتهم المختلفة، ومن ثم يُعين الموظف على الصوم والإنتاج في العمل وهو مرتاح نفسياً وبدنياً. والبديل الآخر هو توحيد بدء الدوام كما في بقية العام مع تخفيضه.

- كثير من الصائمين - وعلى الأخص من الفئات الشابة - يسهرون الليل بطوله، إما في المسامرة، أو مشاهدة الأفلام والبرامج التلفزيونية الغنائية - وبعضها غير محتشم.. وفيما بعد يغطّون في النوم معظم النهار إذا كانوا بلا عمل أو دراسة.. وفي هذا تحايل على فرض ديني، وحبس للجسم عن ممارسة نشاطه الطبيعي. مثل هذا التحايل يذكّرنا بما ورد في القرآن الكريم في سورة الأعراف - الآية (163) عن اليهود حين تحايلوا على تحريم الصيد يوم السبت بنشر شباكهم في اليوم السابق له وتركها في البحر يوم السبت ثم في اليوم الذي يليه يجمعون ما اصطادته الشباك - والمقارنة هنا مع الفارق.

- سيقول بعض الشباب بخاصة: يُراد منا أن تكون حالنا في نهار رمضان ونحن صائمون قريباً من حالنا في غير رمضان، فلماذا لا تكون حالنا في ليالي رمضان كباقي ليالي العام؟.. على ذلك يمكن الرد بأن رمضان فرصة لتغيير روتين الحياة اليومية وتمرين النفس على مقاومة إغراء الملذات، إلى جانب أداء الواجب الديني، وفي هذا فوائد صحية للروح والبدن.

- دوام بعض المرافق والمحلات التجارية في رمضان لا يخلو من عيوب.. فهي لا تغلق في النهار إلا قبيل المغرب، مما يترتب عليه قيادة الزبائن لسياراتهم بسرعة لقضاء حاجاتهم والعودة للبيت قبل الأذان، وكذلك يفعل موظفو تلك المرافق والمحلات. المحصلة هي إزعاج مروري، وحوادث مؤسفة بالإمكان تفاديها لو ألزمت تلك المرافق والمحلات بالإقفال قبل أذان المغرب بساعة كاملة، ففي النهار متسع من الوقت.. أما ليل المحلات والمجمعات التجارية فإنه ينقلب إلى نهار، مع ما يقود إليه من ازدحام مروري وطول في السهر.. هل من حلّ؟.. لو اقترحنا مدة أقصر (من التاسعة حتى الحادية عشرة مساءً) - لقالوا هذا لا يجدي البائع ولا المشتري. لماذا إذن لا نعود إلى عهد مضى، فندع المحلات والمجمعات التجارية تفتح أبوابها من العاشرة صباحاً حتى الثالثة عصراً، ونختصر ساعات عملها ليلاً؟

- إنها دعوة مخلصة إلى إحياء نهار رمضان وتهدئة صخب ليله!

- ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن صلاة التراويح والتهجد من المعالم المضيئة في الجوّ الروحاني لرمضان.. وحتى عهد الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كانت تُؤدى فردياً، ثم أمر بها عمر أن تقام جماعة، وقال (نعمت البدعة هذه).. والآن نراها تقام في كل مسجد من مساجد الحي - في جماعات صغيرة، وتدوّي أصوات الميكروفونات منها بحيث يتداخل بعضها مع بعض ويعلو ضجيجها في الحي، ولا يتيسر قارئٌ جيد في كل مسجد. فلماذا لا يُخصص أكبر المساجد وأوسطها في الحي (وقد يكون أكثر من واحد حسب الموقع والكثافة السكانية) لإقامة التراويح والتهجد؟ عندئذٍ تكون الجماعة أكثر وتعيين الإمام المُجيد للقراءة أسهل، ولا عيب في أن نقول إن في ذلك أيضاً ترشيداً لأعباء خدمة المساجد. لا يلزم لذلك سوى إطالة الفاصل بين صلاة فريضة العشاء وصلاة التراويح بحيث يكون حوالي عشر دقائق تمكّن المصلين من التوجه للمسجد الذي تقام فيه التراويح.

- على الرغم من أن الصوم عبادة ذات قدسية خاصة، فإنها لا تزيح الجانب المادي من حياتنا العامة، بل تقوّيه برياضة روحانية. فإن حافظنا على هذا التوازن في أنفسنا، فقد كسبنا صحة الروح وصحة البدن معاً.

مقالات أخرى للكاتب