فما للقلوب إلا أن تسلو حيناً وتحنُّ دهراً، وما للعيون سوى أن تذرف الحنين في صمتِ الليالي كلما مرّ طيفك عبر الأفق، تهمس الروح بذكراك وترتجي من الزمن وصلاً لا يأتي.
كيف لي أن أرثيك يا أبي وأنا أستمد منك قوتي.. هل أُرثيك كأب أم أُرثيك كحبيب أم أرثيك كرفيق!
ترتجف أناملي وأنا أعبر عن حزني وانكساري ولكن لعلّ ما أكتبه يخفف لوعة الفراق وحرارة الفقد.
رحل من غاب عنَّا بجسده لكنه باقٍ فينا بروحه لا محالة، رحل حبيبي وسندي وظلي وظلالي، رحل من كان نوراً لقلبي وبصيرةً لعيني، رحل من ترك بعده أثراً طيباً وذكرى جميلة وبصمة خير لكل من عرفه رحل الحازم الحنون صاحب الوجه البشوش والقلب العطوف والرأي السديد.
رحل الوطن.. رحل السند.. رحل الفخر.. رحل من أثبت أن فاقد الشيء يعطيه وزيادة، لقد أعطى بكل حب وبكل ما يملك حتى ظننتُ يوماً أنَّ ما يقدمه واجب عليه لا اجتهاد منه!
أحسن تربيتنا وغرس فينا حب الخير والبذل والكرم وعدم احتقار الناس.
علمنا دروساً كثيرةً وقيّمةً في الحياة لا نستطيع تعلُمها في أفضل المدارس، علمنا ألا ننكسر دوماً مهما كانت الظروف المحيطة، وأنَّ ما نصنعه من خير نضعهُ خلف خطواتنا ولا نلتفت إليه، علمنا حب المبادرة والسعي إليها وأن نلتزم دوماً بالصدق والأمانة.
رحل صاحب الخطوات الخفيّة الذي كان ينبض بالعطاء ويسعى في خدمة الناس وقضاء حوائجهم ويمد يدهُ الحانية بكل صمت وبدون أي مقابل حتى إذا ما ظهرت وتمت أبدى فرحاً وسروراً لا حد له.
رحل من يسعد لقدومنا ويستبشر لرؤيتنا.. نعم رحلت يا أبي ولكني ما زلتُ أتخيل أن وفاتك مجرد حلم وسينتهي.. ويا ليته كذلك!
رحل من كان يرمم جراحنا دون أن يعلم، رحلت يا أبي وتركت بعدك غصةً ومرارةً في القلب وفراغاً لا يملؤه أحد.
كان وجودك يعطينا من الدفء الذي تحمله بقلبك الشيء الكبير ويمدُنا بكل الأمل الذي تكُنُّهُ بصدرك وسبباً كافياً يشعرنا بأن للحياة قيمةً ومعنى.
لن أنسى سعادتك الغامرة بوجود أبنائي حولك وحتى إن كان هذا الأمر لا يمثّل إلا شيئاً صغيراً إلا أنه يعني لي الكثير، حتى وأنت على سرير المرض كنت تسترق النظرات لأحدهم حين يمر بجانبك وتحاول أن تبدي شيئاً من السعادة..
لقد أحببتهم كثيراً حتى ظننتُ يوماً أنهم في منزلة لديك أعلى مني!
كنتَ تهتم لأمرهم وتعتب عليّ كثيراً حين يغيب أحدهم عنك لظروف الدراسة أو المرض.
كانت رعايتك لهم تعادل اهتمامي وسعادتك بهم لا تقدّر بثمن.
شكراً لك يا أبي على الحب الذي قدمته لهم والذكريات الثمينة التي صنعتها لهم وعلى كل شعور جميل زرعته بهم..
اشتقتُ إليك يا أبي، اشتقتُ لصوتك، لهيبتك التي كانت تملأ البيت، اشتقتُ لمُزاحك ونظرة عينك لفرحك وابتسامتك وعبوسك..
اللَّهم اغفر لوالدي وارحمه عددَ ما صلى عبادك وعدد ما رُفعت الأيادي لدعائك ورجائك.
اللَّهم أسعده أضعاف السعادة التي ملأ بها حياتنا.
اللَّهم اجبر كسر قلوبنا ضعف شوقنا إليه وأرو ظمأ عطشنا لرؤيته وامسح على صدورنا مسحاً يُزيل وجع الفراق فإنه لا حول لنا ولا قوة إلا بك.
اللَّهم ارحم من كان وجودُه جنةً لنا وتقبيل يده أماناً والنظر إلى وجهه دواءً للروح.
اللَّهم جازه عنَّا خير الجزاء واجمعنا به في أعلى جناتك من غير حسابٍ ولا سابقِ عذاب.
اللَّهم أنر قبر من كان ينير هذه الحياة بوجوده واجعله مثل قلبه فسيحاً شرحاً إلى يوم يبعثون.
** **
- ابنتك حورية عبدالرحمن الشثري