الرياض - خاص بـ«الجزيرة»:
الشريعة الإسلامية تدعو للبشارة والفأل الحسن، والبعد عن الهم والحزن اللذين يقودان الإنسان إلى اليأس حتى يظن أن النهار لن يدرك الليل، ويشعر أن الدقائق بطيئة كأنها ساعات طويلة.
وفي هذا العصر كثرة الشكوى من الكآبة والضيق، والتضجر والقلق بسبب الهموم والأحزان التي يحبها الشيطان.
«الجزيرة» طرحت القضية على ذوي الاختصاص لمعرفة السبل الكفيلة للتخلص من الهم والحزن الذي ينتاب البعض في أمور بسيطة لا تستدعي حصول ذلك؛ فماذا قالوا؟
العبرة ليست بالحدَث
يقول الدكتور عبدالله بن علي الجعيثن الداعية أستاذ الحديث بجامعة القصيم سابقاً: العبرة ليست بالأحداث التي تمر بالإنسان، وإنما العبرة بتعامل المرء مع هذه الأحداث، كيف يتعامل معها، وكيف تقبّله لها، وكيف ردّ فعله عليها. فهذا هو الذي يحدّد مدى وقع الأحداث في نفس الإنسان؛ ولهذا يقول أحدهم: «إن %10 هو الحدث نفسه و90 % هو ردّ فعلك تجاه الحدث». ويقال أيضًا: «ليس مهماً ما يحدث لك، ولكن المهم هو أسلوبك في التعامل مع ما يحدث لك»؛ فإن كنت تتلقى المكاره والشدائد بتقبّل ورضا وتكيّف معها محتسباً لأجرها فإنها تكون سهلة ويسيرة عليك، وأن جزعت وتبرّمت وتسخطت كان وقعها في نفسك عظيمًا وشديدًا. فاستقبل أقضية الله وأقداره بصبر وصدر منشرح؛ فلم يأتك شيء من عدو ولا حاسد، وإنما الذي يصيبك قد أتى به من هو أرحم بك من نفسك ومن والديك، وله في ذلك الحكمة البالغة، كما مرّ الحديث عن ذلك فيما سبق، وقد قال علي رضي الله عنه: «إن صبرت جرت عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت مأزور». ومِن حِكَم العامة: «المقدّر كائن، والهمّ زيادة». ويعنون بذلك أن قدر الله ماض عليك حاصل لا محالة، وهمّك وقلقك بسببه زيادة عبء عليك، فاصبر له وتقبّله بلا جزع ولا همّ.
فتذكّر أنه لا يقع شيء إلا بتقدير الله، وإذا وقع المقدور أوجب اللهُ الصبرَ عليه، ولا يوجب الصبر إلا مع القدرة على تحقيق وظيفة الصبر، وهي عبودية الضرّاء.
تخيَّل لو أنّ إنساناً فقد شيئاً من ماله، أو خسر في تجارة، أو فقد عزيزاً، أو حصل له كسرُ، أو غير ذلك مما يكدّره، ما الذي سينفعه إذا جزع أو قلق؟! أليس الأنفعُ له في الدنيا والآخرة أن يرضى بالقدر، ويحتسبَ عند الله الأجر، ويصلح ما يمكنه إصلاحه، وهكذا يصنع في جميع الأحداث التي تمرّ به. فوطّن نفسك على تقبل المكاره التي تحدث لك، واستفد من الدرس، فالتحسر لن يغير من الواقع شيئا، بل سيؤذيك في صحتك النفسية والجسمية، ويوهن عزيمتك، ويؤدي بك إلى الشعور بالإحباط.
توطين النفس
ويشدد د.عبدالله الجعيثن القول: فغيِّر ردَّة فعلك تجاه الأحداث؛ الكبير منها والصغير؟ فإذا ضاع منك مبلغٌ من المال -مثلاً- من غير تقصيرٍ في حِفظه، أو انكسر إناءٌ كان في يدِك عن غير انتباه، أو سُرقت ساعتُك، أو غير ذلك من مئات الأمور التي تحدُثُ في حياتنا، فوطِّنْ نفسَك على قَبول ما حصل، والاستفادة من الدرس الذي مرَّ؛ لأن التحسرَ لن يغيِّر من الواقع شيئًا، بل سيؤذيك في صحتِك النفسية، وربما في الجِسمية أيضًا.
ضيفان ثقيلان
ويشير الدكتور عروة بن محمد حاميش أخصائي الأمراض الباطنية في قسم الإسعاف والطوارئ بالرياض إلى أن الهم والحزن لا يقتصران على الجانب النفسي، بل يؤديان إلى تأثيرات ملموسة على الدماغ، القلب، المناعة، الهضم، العضلات والهرمونات. استمرار هذه الحالة قد يرفع خطر الأمراض المزمنة مثل: ارتفاع الضغط، أمراض القلب، السكري، والقولون العصبي، مبينا أن آلية حدوث التأثير يكون عندما يسيطر الحزن أو الهم على الإنسان يفرز الجسم هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) بشكل زائد، واستمرار ارتفاع هذه الهرمونات يؤدي إلى اختلال في عمل الأجهزة الحيوية.
ويوضح د. عروة حاميش أخصائي الباطنية التأثيرات الطبية على أجهزة الجسم بسبب الهم والحزن، حيث يكون في الجهاز العصبي صداع مزمن أو صداع توتري، ودوخة أو ثِقل في الرأس، وضعف التركيز والذاكرة، واضطرابات النوم (أرق أو نوم زائد)، وشعور دائم بالإرهاق والتعب، وكذلك في القلب والأوعية الدموية حيث تسارع ضربات القلب (خفقان)، وارتفاع ضغط الدم بسبب انقباض الأوعية، وزيادة احتمالية الإصابة بالجلطات القلبية أو الدماغية على المدى الطويل، وألم بالصدر يشبه الذبحة الصدرية.
أما في الجهاز الهضمي حيث يكون القولون العصبي (انتفاخ، غازات، إسهال أو إمساك)، وعسر هضم وحرقة معدة، وفقدان الشهية أو الإفراط في الأكل، وغثيان أو قيء في بعض الحالات.
وفي الجهاز العضلي يحدث شد عضلي في الرقبة والكتفين والظهر، وآلام مفصلية أو جسدية عامة، وشعور بالثِقل في الجسم. أما الغدد والهرمونات حيث يكون تغير في هرمونات الغدة الدرقية أو الكظرية بسبب التوتر المزمن، واضطراب في مستوى السكر في الدم (يزداد عند مرضى السكري).
ويكشف د. عروة حاميش أخصائي الباطنية بالرياض طرق العلاج والتخفيف، حيث العلاج النفسي والروح، والجانب الإيماني: الصلاة، الدعاء، قراءة القرآن، والتوكل على الله مما يبعث الطمأنينة، والتفريغ النفسي: مشاركة الهموم مع شخص موثوق صديق، أهل، أو مختص العلاج السلوكي المعرفي: عند الأطباء النفسيين لتغيير طريقة التفكير السلبية، بالإضافة إلى العناية بالجسد: من خلال ممارسة الرياضة بانتظام، والنوم الكافي، والتغذية المتوازنة: وذلك في الإكثار من الخضار والفواكه والأطعمة الغنية بأوميغا 3، وتجنب الإفراط بالكافيين والتدخين المنبهات، مع أهمية الاسترخاء والهدوء، ويتمثل في تمارين التنفس العميق، واليوغا أو التأمل، وقضاء وقت في الطبيعة، وممارسة هوايات ممتعة (قراءة، رسم، كتابة).
ويؤكد د. عروة حاميش أخصائي الباطنية بالرياض على طلب المساعدة الطبية إذا استمر الحزن فترة طويلة (أكثر من أسبوعين) وأثّر على القدرة على العمل أو الحياة اليومية، وعند وجود أعراض جسدية شديدة (صداع، ضغط مرتفع، أرق مزمن)، وقد يصف الطبيب أدوية مضادة للقلق أو الاكتئاب إذا كانت الحالة تحتاج.